الأربعاء، 25 نوفمبر 2009

السفينة

" يعيش الإنسان و يظن أنه الوحيد فى هذا الكون و لكن ....

سرعان ما تجعله الظروف يصطدم مع الآخرين فى سبيل أن يجد قارب نجاة يخرجه من ظروفه الصعبة ، فمن الناس من يصنع قاربا بنفسه ....

و من الناس من ينتظر أن يمر عليه قارب النجاة ....

.... و ينتظر .... " .

الفقرة السابقة هى كلمة صديقى العزيز/ محمد خليفة ( مؤلف مسرحية السفينة ) . و محمد خليفة حالة إبداعية رائعة .. وقت أن بدأ كتابة هذه المسرحية ، كان يمثل فى فريق الألسن ، و يكتب الشعر ، و ينشط فى الحركة الطلابية . فجاءت السفينة معبرة عن رؤية جيل شاب لأحوال وطنه ، و كيفية إنقاذه . فى السفينة .. ركاب مختلفون ، منهم : الفنانة الساقطة ، و العواد الأعمى ، و ناشطة حقوق المرأة ، و أحد المنتمين للتيارات الدينية ، و مدعى الانتماء للشيوعية ، و طالب جامعى يعبر عن رأيه ، و مواطن عادى ( وحيد ) .

القبطان يكتفى بتقارير معاونيه ، و معاونيه يبحثون عن مصالحهم ، و الركاب يقضون أيامهم ، كل فرد منهم فى طريقه الذى قد يكون الشهرة ، أو السلطة ، أو جمع المال ، أو الانبساط و المزاج . يجمع خليفة فى سفينته بين التراجيديا و الكوميديا باحتراف شديد . بسلاسة ، ينتقل من كوميديا تظهر بجلاء حال مجتمعنا إلى تراجيديا أقرب إلى صرخات تحريضية للمشاهد .

من خلال الحوارات بين ركاب السفينة ، يعرض الكاتب شخصياته . ثم تظهر مساحات شاسعة من الاختلاف بينهم بمثابة فجوات فكرية عميقة يصعب تجاوزها . إلا أن جميع الشخصيات عدا وحيد اتفقوا على الأنانية و تقديس الذات . و هنا تأتى لحظة الغرق .. تتفاقم مشاكل السفينة ، و توشك على الغرق . يحتاج الأمر إلى تضحيات من الطاقم و الركاب ، فيرفض الجميع أن يضحى ، فهم لا يريدون الموت . يحاول وحيد عبثا أن يقنعهم بالتضحية " لو السفينة غرقت ، هنموت كلنا " . و لكنهم ينصرفون عنه ، و يعودون إلى أحاديثهم المكررة ، و أطماعهم فى الحياة . فى هذا المشهد الرائع .. يلتف الركاب ( اللى بايعين القضية ) حول العواد مع مقطع ساخر " توبة توبة توبة .. كلنا كده عايزين توبة . توبة للشعب الغلبان تحت الراية المنكوبة " . يقرر وحيد أن يقفز من السفينة . تغرق السفينة و ينجو وحيد .

هكذا ينجو الإيجابيون .. و فى مشهد سابق ، و بعد بحث مستمر من الركاب عن قارب النجاة ، تأتى المؤلفة ( شخصية فى المسرحية ) لتخبرهم أنه ليس هناك قارب نجاة ، و أن قارب النجاة هو القلم !!

و القلم عند خليفة ( و عندنا طبعا معاه ) هو رمز لحرية الفكر ، و الاهتمام بأمور الوطن ، و البحث عن نقاط التلاقى .

طبعا .. خليفة يستحق التحية على المشاهد ( القبيحة ) ، و خاصة مشاهد الراقصة . و تحية خاصة لصديقى العزيز/ حسام عبد الجليل الذى قام بدور الطالب الجامعى الذى يعبر عن رأيه و يتحدى قيود الحرس الجامعى ؛ لأنه أبدع جدااااااااا فى الدور .

ملحوظة بسيطة : هذا المقال أفكار غير مرتبة عن المسرحية ، و لا ينتمى للنقد أو التحليل .

الاثنين، 3 أغسطس 2009

المسيرى .. الإنسان

لم أكن أعرف الكثير عنه . و لا أجد مبررا لذلك إلا حداثة سنى آنذاك . و الحق أنى لم أقرأ كتابا كاملا للراحل المسيرى . و لا عذر لى إلا إهمالى و تقاعسى عن القراءة . و ثمة مفارقة أخرى ، فالعمل الوحيد الذى قرأته للمسيرى كاملا هو مقدمته لبرنامج حزب الوسط . و رغم أن هذه المقدمة لم تحظى بشهرة أعماله الأخرى ، إلا أنها قدمت خلاصة الأفكار التى آمن بها الراحل .
جلست إليه غير مرة فى جمعية مصر للثقافة و الحوار ، و كنت ممن يحضرون ندوته الشهرية . و ذات مُنع الراحل المسيرى من التواصل مع طلاب الجامعة فى ندوة دعته إليها إحدى الأسر فى كلية الطب . و كان أن حاصرت قوات الأمن القاعة ، و منعت غالبية الطلاب من دخولها . فجاءنا المسيرى غاضبا ساخطا على هذه العقلية الساذجة .. فالرجل ذهب كمفكر كبير و أستاذ جامعى قدير ؛ ليلتقى شبابا يلهثون وراء فكرة نظيفة ، و يبحثون عن قيمة و رمز .
وجهه البشوش ، و أساؤيره المنفرجة ، و الدفء الذى يشع من عينيه لا تزال تعكسهم زوجته الدكتورة هدى حجازى . و علاقة المسيرى بزوجته ، و حبه العميق لها يستحقان مزيد من التأمل . فلا أخفيكم سرا أن الرجل قدوتى فى الحب و الزواج ، تماما كما فى الفكر و الأخلاق . أى سحر امتلكه المسيرى ليمنح آلة مادية صماء الروح حتى أصبحت عندى رمزا للحب .. إنه ترام الاسكندرية ، وسيلة المواصلات ، الذى يسير بين محطة الرمل و فيكتوريا . و لكنه مع المسيرى ، و فقط المسيرى ، شىء آخر . حكى لنا الراحل قائلا : عندما كنت طالبا بجامعة الاسكندرية ، أحببت زوجتى الدكتورة هدى . و كنا نركب الترماى سويا ، و نجلس فى الدور الثانى . حتى إننى عندما كنت أركب بمفردى ، يسألنى الكمساريه : أين الآنسة التى تجلس معك دائما ؟
هكذا كان المسيرى بسيطا ، متواضعا ، صريحا ، و محبا مخلصا . قاوم الفساد و الاستبداد بشراسة ؛ مما جعل النظام يغيب عن وداعه ، باعثا برسالة للمفكرين بأن النزول للشارع خط أحمر .
و المسيرى قامة فلسفية كبيرة ، مثله فى ذلك مثل أرسطو و كانط و روسو . فهو مفكر اعتز بايمانه ، و انتمائه ، و ذاكرته . إن هو مات - و قد مات بالفعل - فأفكاره و تلاميذه باقون .
أفتقده الآن بشدة . أفتقد حديثه الممتع ، و نبرته المتفائلة . افتقد ابتسامته لى عندما كنت أعقب أو أسأل .. أفتقد هذه النظرة التى كانت تشعرنى أنى إنسان له عقل و رأى يحترمه مفكر كبير . لقد دافع عنا - نحن جيل الشباب - . و أعتقد أنه من الواجب و كنوع من الوفاء لهذا العملاق أن ندافع عن أنفسنا قليلا .

الجمعة، 19 يونيو 2009

سكتات

آرنو لسكتة سريعة يمكنها أن توقف سيل الأسئلة المتناثرة المتلاحقة فى ذهنى الشارد . يملؤنى شجن يسبح فى بحور من الالآم ، ينتقل بى من وجع إلى وجع . على قدر حبى لنفسى ، و اعتزازى بأفكارى ، و إيمانى بقيمى .. إلا أنى بت أكرهها ؛ نفسى و قيمى و أفكارى جميعا . و لست أدرى لذلك سببا مقنعا ، و لم أشغل نفسى بشىء عدا التساؤل و الكراهية . ربما لم أحقق شىء من أحلامى الكبرى . لا يزال صوتى حبيس أحبالى . و لا تزال كلماتى حبيسة أوراقى . الأوراق فى الأدراج ، و مازالت هى الأخرى حبيسة العلن . و كأنها لا تعدو أن تكون إلا مجموعة أسرار تافهة لعاهرة من عاهرات الليل ، لن تزيد أهميتها بأى حال عن أهمية ملابسها الداخلية . تمنيت أن يصف لى طبيبى ذات يوم دواء ، بل أقراص تسمى سكتات . و كلما اشتد علىَ التساؤل و لحقته الكراهية ، أثب وثبة واثقة فاتحا علبة الأقراص ، و أبدأ فى ازدرادها . يا لها من لحظة سعادة نادرة !

تبدأ التساؤلات فى الخمود ، و تنطفىء نار الكراهية بغتة . لا قلق بعد اللحظة . لن يرانى أحد شارد الذهن ، و لن أرهق ذهنى بالبحث عن اجابات . فقد خدرت السكتة تلك الشحنات العصبية المتزايدة ، و ألقت بى على الفراش أشبه بجثة هامدة . و لن يستطيع مخلوق أن يوقظنى .

أتركونى لسكتتى ، كم هى رائعة الولوج !

و كأنها عشيقتى التى تمكنت منى على الفراش بحيث امتلكت هى المبادرة . و لم تترك لى إلا رد الفعل الممزوج بآهات مكتومة .

المؤسف أن السكتة الطبية لم توصف لى ، و لم أذهب إلى طبيب ، و لا أخذت قرصا ، و لا سقطت سهوا . و قد عادت التساؤلات تلح على ذهنى من جديد ، و باتت مناعتى أمامها ضعيفة . بقيت أسيرا للحظة . لكل لحظة بلا أمل فى النجاة ، بلا طاقة للصراخ . لماذا لا يتحول دعاء الأمهات على أطفالهن بالسكوت إلى حقيقة ؟ ألم تتضايق أمى من ثرثرتى غير مرة ؟ ألم تطلب من الله أن يكتم هذا الصوت الذى لا يتوقف عن العطس الكلامى ؟

لو أن السكتة عبرة لذرفتها غير آبه بما سيحدث . و ما لى والناس الذين يشيرون إلى مُسقط الدمع الذى انهار أمام الجميع و لم يعد له سند . يخيل إلى أن الدمع كالسكوت ، فى كليهما راحة . عن ماذا أبحث الدمع أم الراحة ؟ و ماذا عن السكتة ؟

تمنيت أن أصبح آلة ، قوامها الأجزاء اللازمة للعمل ، و حياتها العمل . يا للذة الحياة حينها . . يزداد عمل الآلة ، فتزداد الإنتاجية ، و تكون المكافأة بمنحها مزيدا من العناية و الرعاية . تسترق الآلة السمع إلى عمال المصنع و هم ينعتونها بـ " وش السعد " . لقد حصلت على تقدير لا يخلو من بعد إنسانى .. إلا أنها بقيت آلة تعمل و تعمل و تعمل . ويحك ، لست أفضل حالا منها . بل هى أفضل منك . العمال ينظرون إليك و أنت جالس وحيد شارد الذهن لا تعمل ، و لا تنتج . إنك هنا فقط تتحول إلى أضحوكة ، و تتعالى من حولك صيحات الاستهجان ، و تبدو كغريبى الأطوار ، الذين يزعجهم تفحص الناس لهم .

لو كنت ملكا ، يأمر فيطاع ، لبنيت قصرا من السكتات . سكتات لها من التنويعات ما للغرف ، و لها من الألوان الزاهية ما للأثاث من بهجة و أبهة و فخامة . . . سكتة النوم ، سكتة المعيشة ، سكتة المطبخ ، سكتة الحمام . إذا ما دلفت إلى سكتة النوم ، أغط فى نوم عميق لا تنغصه علىَ التساؤلات ، و لا تلاحقنى قبله الكراهية . نوم يخلو من الكوابيس النصف مرعبة التى استرجع فيها لقطات و لقطات . و تتحول التساؤلات إلى مشاهد تبقى غير ممكنة الفهم لمشاهد عادى مثلى ، بل و لنقاد السينما أيضا .

سكتة الحمام غريبة .. لا تفكير فى أعضاء جسدى العارى أمامى ، و لا وظائفها التى سخرت بهذا الشكل لأدائها . لم يستهونى ميل لممارسة العادة السرية . فقد سكتت الشهوة .. أو بمعنى أدق تعبيرا ، فقد سكتت شهوة البحث فى وظائف الأعضاء ، لا شهوة الأعضاء فى أن تمارس شيئا كانت له من الفاعلين .

سكتة المطبخ محزنة .. أوانى ممتلئة بالأطعمة ، و مزاج لا يسمح بتناول الطعام . إنها لحظة كأيام الموت الأولى ، عندما يبقى فؤداك متعلقا بالفقيد ، صفاته ، و ذكرياته . ثم لا تدركك هذه الشهوة اللعابية اللعينة . و أنت فى أعماقك البعيدة تتمنى أن تستمر فى الصوم ، مستحضرا معانيه الروحية على غير تفسير . و تقودك رغبة جامحة أن تلحق جثتك بهذه الجثة ، التى وقفت أمام قبرها تقرأ الفاتحة منذ سويعات قليلة .

السكتات أهم من أى شىء ، تماما كالأمن القومى ، خط أحمر لا يمكن تجاوزه ، و إلا وقعت الدول فى فخوخ الأعداء . فما أن تتجاوز السكتة ، و تنتهى من لذتها و متعتها . تلحق بك مصائب الأفكار ، و أولى التساؤلات . و لست من ذلك فى شىء يذكر ، إلا إنك قد عدت إلى الحياة من جديد . و مازالت نظرات عمال المصنع تلاحقك ، و ترى أنت ما تحققه الالآت من تقدم . تقف وحدك عاجزا عن التفسير ، و تحاول أن تهمل ما وصلوا إليه من إنتاج . تتفاخر بمحاولاتك الفاشلة للإجابة عن أسئلة بلهاء لم تعطلهم هم فى إنتاجهم ، بينما أقعدتك أنت عن الحركة . يالك من فاشل كبير ، لا يحفظ أمنه القومى . أذكروا محاسن موتاكم ، هذا ما يقال عقب السكتة الكبرى .

الأربعاء، 10 يونيو 2009

تحياتى لمجتمعنا المتدين

قبل أتناول هذا الموضوع ، أود توضيح الآتى :

1)   أنى مصرى ، متمسك بجنسيتى و انتمائى ؛ برغم تحفظاتى على مجتمعى .

2)   ليست لدى أى حساسية إطلاقا فى التعامل مع المخالفين لى فى الفكر ، بل و مخالطتهم ، و إقامة علاقات صداقة معهم .

3)   أحترم كافة الأفكار المتشدد منها ، و المنفتح . و لدى طاقة للاستماع إلى أى أفكار مهما كان اختلافى معها .

لا أعرف من أين أبدأ ؟ و لكننى قررت أن أبدأ فى الكتابة عن موضوع لطالما أجلت الكتابة عنه ؛ لأنه موضوع ملىء بالمحرمات الاجتماعية التى لا جدال فيها . فليس لنا إلا أن نسلم بما شاع ، و انتشر ، و ارتفع صوته . سأبدأ من يوم ازدادت بعده حماستى للكتابة عن مجتمعنا المتدين . كنت فى المدينة الجامعية التابعة لجامعة عين شمس . و مسجد المدينة يقوم عليه تيار ما و شيخ ما مرضى عنهما أمنيا . أما مجتمع المدينة فيعتبر نفسه متدين لا محالة ، قائم يصلى ، و يؤدى مهامه الدراسية . فى هذا اليوم ، مررت بغرفة أحد أصدقائى ، و استفسر عن رأيى فى الرقابة على الأعمال الفنية . فقلت له : أنا أرفض الرقابة ؛ لأن العالم أصبح مفتوحا لا يُخفى فيه شيئا . كما أن الإنسان حر يشاهد ما يريد ، و هو أيضا جزء من العمل الفنى فيما يتعلق بالتلقى . لذلك عندما أشاهد عملا فنيا ، فأنا من يقرر و يفسر أفكاره ، و يميز الصواب من الخطأ . و لا يمكن للعمل الفنى أن يغير من أفكارى ، لمجرد أنه طرح فكرا مخالفا لى . أفهم أن الإنسان لديه عقل يميز به بين الخطأ و الصواب . فسألنى صديقى عن الإباحية فى السينما أو اللقطات المثيرة . فقلت له : أنت تراها إباحية ، وصانع الفيلم يراها ضرورة درامية . و هذا اختلاف فكرى قائم و مستمر . و لكن ، هل يجبرك أحد على مشاهدة هذه اللقطات ؟

 بالطبع لا يستطيع أحدهم إجبارك على ذلك ، فأنت حر . و السؤال : ألا يمكنك أن تنظر إلى الساعة ، أو إلى السقف مثلا ، طالما أن هذه المشاهد تتعارض مع قيمك ؟

ضحك صديقى . فأخبرته أنه لا داعى للضحك . . عندما كنت أشاهد فيلم " هى فوضى " ، شعرت أن مشهد الرقص فى زنزانة النساء غير ذى جدوى بالنسبة لى - و إن كان بالطبع ضرورة من وجهة نظر المخرج - . قررت حينها أن أنظر إلى أعلى ، بينما الناس ينظرون إلى الأمام . أنا حر . هكذا بدأ صديقى يقتنع . و أكملت أفكارى عن أهمية الحرية ، و عن الضمير الجمعى للمجتمع ، و الذى يحفظ قيمه و ثوابته . . أخبرت صديقى عن المجتمع التركى . تركيا دولة علمانية طبقا لدستورها ، يحكمها اسلاميون . رجب طيب أردوغان ، رئيس الوزراء التركى ، درس الشريعة الاسلامية . اسلاميو تركيا لا يرفعون شعارات اسلامية من تلك التى أعتدنا عليها فى مجتمعنا ، لا يقولون مثلا أنهم أتوا لتطبيق شرع الله ، أو إقامة الدولة المسلمة أو الحكومة المسلمة ، أو إقامة الحدود . تولى الاسلاميون حكم تركيا فأقاموا دولة عادلة ، و دعموا الحرية و المساواة . قضوا على الرشوة و الفساد . دعم الاسلاميون فكرة المجتمع المدنى بما يحمله من مؤسسات و جمعيات تهتم بالإسلام ، تعاليمه و قرآنه و شريعته . يعلم القاصى و الدانى أن حزب العدالة و التنمية له جذور اسلامية . و لكن ، يا صديقى ، طعن البعض فى اسلاميته ؛ لأن الدعارة مرخصة ، و الخمور أيضا ، و السياحة قائمة ، إلى جانب العلاقات مع اسرائيل . و هذا يعنى لدى مجتمعنا المتدين ، الذى يحمل فى طياته ما هو اسوأ من ذلك ، أن هؤلاء لا يمتون للإسلام بصلة . رغم أن مظاهرات الشارع التركى ، و غضبته ، أثناء الحرب على غزة ، فاقت ما قدمه الشارع المصرى ، الذى تقع غزة على حدوده . أنهيت حوارى مع صديقى و قلت له : المجتمع التركى به حريات ، و لكنه اسلامى ، و سيظل . ذهب صديقى إلى محاضرة المقال باللغة الانجليزية ، بعد أن صاغ أفكارنا المشتركة ، و التى اقتنع بها تماما . و لاحقا أخبرنى أن المحاضرة شهدت مناقشات عاصفة ؛ لأن جميع الطلاب و الدكتورة التى تدرس لهم المادة مع الرقابة ، و هو الوحيد ضدها .

ذات يوم طلبت إليه أن يأتينى بالمقال لأطالعه . و جاءنى به . طلب منى أن أقرأ تعقيبات الأستاذة الجامعية الموقرة ، فماذا قالت ؟

قالت أنها ذهبت لتركيا ( و أنا و كاتب المقال لم نذهب بالطبع ) و رأت المجتمع التركى ( و أنا لم أره بالطبع ) ، و هو ليس مجتمع اسلامى بتاتا ؛ لأن النساء ترتدى ملابس " فظيعة " . حدثت نفسى بأن السيدة أرادت أن تحرجنى . فأنا لم أسافر إلى تركيا ، بينما هى سافرت ، و تعتقد بالتالى أن حكمها هو الأصوب . و الذى لا تعرفه السيدة الفاضلة أن مئات الأبحاث و الدراسات و المقالات تناولت التجربة الاسلامية فى تركيا . لا تعرف السيدة الفاضلة أن مفكرين اسلاميين كبار احتفوا بالتجربة الاسلامية فى تركيا . و كتب هؤلاء عن أسباب التأييد و الاحتفاء . اكتفت السيدة بالإشارة إلى ملابس السيدات . و لا أعلم من هو الاسلامى ، مجتمع ترتدى نساؤه ملابس فضفاضة ، و لكنه غيرعادل و فاسد ؟ أم مجتمع آخر قد لا ترتدى فيه النساء حجاب أو ملابس فضفاضة ، و لكنه بلا فساد و بلا ظلم ؟؟!!

ثم باستخدام نفس المقياس " مقياس الملابس " ، الذى اختارته الأستاذة الجامعية الفاضلة ، هل تعتبر الجامعة التى تدرس فيها اسلامية . . ألا ترتدى غالبية الفتيات ملابس ضيقة ؟ ألا ترتدى الفتيات فى الصيف ملابس بلا أكمام مثلا ؟

يا سيدتى لو كان معيارك " الزى " ، فعفوا مجتمعنا لا يعتبر اسلاميا بهذا المعنى . ثم قالت السيدة : التليفزيون يدخل كل بيت ، و يقتحمه . و لا أفهم كيف يقتحمه ؟ هل من الممكن أن تفتح التليفزيون لمشاهدة برنامج " قصص القرآن " لعمرو خالد ، فتجد أن التليفزيون يخرج لك لسانه و يعرض أمامك فيلم " فريدا " لسلمى حايك ؟ ثم عندما تهرب من أمامه ، يواصل اقتحامه لمنزلك و يلاحقك فى غرفة النوم ، و المطبخ ، و الحمام . أى حجة هذه !!

ثم أكملت السيدة الفاضلة : كيف نعرض أفلام إباحية للأطفال و المراهقين ؟

و بفرض أنها كذلك ، أو أن صانعى السينما فى مصر قد ينتجون أفلام إباحية . فدار العرض تصنف الأفلام مراعاة للمراهقين و الأطفال . و عندنا فى مصر أفلام تُرفع عليها لافتة " للكبار فقط " . أما ما يعرض فى الفضائيات فهو يتعلق بمدى التزام الأبوين برعاية أطفالهما ، يتعلق بالأسرة المستقرة التى يفهم ربها مسئولياته . ثم أنهت الملاحظات بسؤال لكاتب المقال و من معه : هل يمكن أن تشاهد فيلم " بورنو " مع أمك أو أختك أو زوجتك أو خالتك ؟

و لا أعلم ما موقع السؤال السابق من الإعراب . فأنا و كاتب المقال لا نشاهد أفلام بورنو . و أمى لا تشاهد إلا المسلسلات . و أظن أن أمى ، لو قلت أمامها كلمة " فيلم بورنو " فلن تفهم شيئا . و لكننى أشاهد ، على سبيل المثال ، فيلم الكرنك مع أسرتى .  ثم تفاجأت ، بعد انتهائى من قراءة التعقيبات ، أن هناك آيات قرآنية مكتوبة باللغة العربية . فالأصل أن تكتب السيدة بالانجليزية ، مراعاة للغاية التعليمية . و لكنها على ما يبدو أرادت أن تنتصر للغاية الوعظية . و هنا يجب أن أنوه بأننى مؤمن بالله ، و رسوله ، و بكتابه القرآن الكريم . أما الآيات التى كتبتها السيدة ، فهى آيات تحض على الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر ، و تذكر الآية الأخرى بعقاب الذين ينشرون الفاحشة . و لا أعرف ما علاقتى بنشر الفاحشة ؛ فأنا أدافع فقط عن الحرية . . أنا لا أشرب الخمر ، و لا أضاجع الناس بغير زواج ، و لا أسرق أو أختلس ، و لا أخرج أفلام بورنو ، و لا أبيع المخدرات أو أتعاطها . لست إلا صاحب رأى : العالم أصبح قرية صغيرة و يجب أن نعلى من قيمة ضمير الإنسان ، و نحترم عقله ، فلا نصادر عليه ، و لا نراقبه . كل ما أراه أن مخرج السينما ، إنسان له وجهة نظر ، رأى أن يستخدم وسائل ما للتعبير عنها . و من الممكن أن تخالف هذه الوسائل التعبيرية أحكام و أعراف المجتمع ، أو تخالف أحكام الدين . هذا وارد جدا . و لكننا هنا نختلف مع القبلة ، أو الجسد الذى يتعرى جزء منه ، أو اللفظ الذى لا نحبذه . نختلف و نقول هذا . . نقول أن هذا الفعل حرام شرعا . و لكن من يملك مثلا أن يختلف مع أفكار تدعو للعدالة الاجتماعية ؟ ؟

متى كان أبطال الأفلام يشربون الخمر ( كتمثيل ) ، ثم يخرج علينا صانعو الفليم و يخبروننا أن الخمر حلال شراعا ؟

لم يحدث هذا ، و لن يحدث . و أزعم أن السينما المصرية لم تطعن ثوابت المجتمع يوما ، و لم تقدم رسائل كلية تختلف عن جوهر الإسلام . تحياتى للسيدة الفاضلة ، الأستاذة الجامعية ، و تحياتى لمجتمعنا المتدين .  

و لكن ، كيف أفهم الإسلام ؟

أفهم أن الإسلام إيمان بالله ، و بما جاء به رسوله محمد (ص) . ثم سعى و اجتهاد لإعمار الأرض وفقا لما نص عليه الإسلام من قيم و مبادىء . و يضمن ذلك رغبة فى نيل الثواب فى الآخرة بدخول الجنة . أفهم أن تراث الإسلام :

1)   نصوص سماوية مقدسة : و هى القرآن و السنة النبوية الصحيحة ، نؤمن و نسلم بها ، و نجتهد فى تفسير ما يحتاج إلى تفسير منها .

2)   الفقه الاسلامى : و هو آراء و اجتهادات الفقهاء قديما و حديثا . و الفقه هنا ليس بوحى سماوى ، بل هو اجتهادات تصيب و تخطىء . يقول د. محمد سليم العوا : " و جمود العلماء على نقل آراء أصحاب الكتب المذهبية دون نظر فى صحة الآراء أو خطئها ، و دون بحث فى مدى قوة الدليل الذى يستند إليه كل قول أو ضعفه ، و اكتفاؤهم بالإحالة إلى أقوال مؤلفى هذه الكتب و كأنها الوحى المعصوم . كل ذلك غير جائز " .

3)   تاريخ المسلمين : و هو اجتهاد و تفاعل المسلمين فى كل عصر وفق ما فهموه من الإسلام و ترجموه فى حياتهم و حضارتهم . و التاريخ هنا له إيجابياته و سلبياته .

أفهم أن الاهتمام بالنص و رفض العقل ، أمر غير مقبول دينيا . و يطلق الشيخ القرضاوى على هؤلاء الرافضين للعقل اسم " الظاهرية الجدد " . و هم يجنحون إلى التشدد و التعسير ، و يعتدون برأيهم إلى حد الغرور ، و ينكرون بشدة على المخالفين ، و يجرحون مخالفيهم فى الرأى إلى حد التكفير ، و لا بيالون بإثارة الفتن الدينية و المذهبية . أما النظرة الصحيحة فتكون من خلال ربط النصوص الجزئية بالمقاصد الكلية ، فتفهم الجزئيات فى ضوء الكليات ، و هذه هى المدرسة الوسطية ، كما أسماها القرضاوى . أفهم أيضا أن الاسلام يرفض الرقابة على الضمير و المعتقدات ، فذلك إهدار لحرية الإنسان ، و تعدى على إرادة الله . أفهم أيضا أن الشريعة ليست مجرد نصوص تتلى ، فلا تعرف ما علاقة النص بموضوع النقاش ، أو بالأحرى لا تعرف كيف صبغ أحدهم رأيه الشخصى بكلام إلهى مقدس . هكذا أفهم الاسلام ، فكيف يفهمه مجتمعنا المتدين ؟

-         عندما تخلى صديقى كاتب المقال عن تأييده للحرية و رفضه للرقابة . بدأت مناقشة واسعة بين عدد من الطلاب . و أخذت أوضح لهم أننا لسنا بهذه الصورة التى نعتقدها عن أنفسنا . فرد علىً أحدهم بأننا نناقش المجتمع من حيث مظاهر التدين ، و مجتمعنا محترم جدا من هذه الناحية . و قال لى : أنا معك لم تكن ردود أفعالنا أثناء الحرب على غزة فى قوة ردود أفعال الشارع التركى . و لكننا أكثر تدينا منهم بلا شك . هكذا يفهم مجتمعنا المتدين الاسلام !!

-         عندما سألت أصدقائى فى نفس جلسة النقاش : كيف تؤدون الصلوات فى المسجد من ناحية ، بينما تلقون قشر الموز ، مثلا ، فى الطرقات بعد تناول وجبة الغداء من ناحية أخرى ؟ و هل هذا سلوك اسلامى ؟

و سكتوا جميعا إلا واحدا ، قال لى : أتريد أن تقنعنا أنك لا تلقى قشر الموز و البرتقال فى طرقات المدينة الجامعية مثلنا ؟ و قلت له أنى لا أفعل ذلك . و رد بأننى كاذب . و هكذا يفهم مجتمعنا المتدين الاسلام !!

- عندما كنت أناقش بعض الأصدقاء فى تحريم فوائد البنوك ، و أخبرتهم أن هناك من الفقهاء من يرى أن الفوائد ليست ربا أصلا . فأخبرنى أحدهم أن الشيخ أحمد التركى ، إمام مسجد النور بالعباسية ، ذهب إلى أن الفوائد بها شبهة . و قلت له أنى حضرت الخطبة ، و الرجل قال أن بها شبهة و ليست حرام . و كانت المفاجأة ، قال لى صديقى : بها شبهة تعنى أنها حرام ، و الشيخ لم يقل ذلك صراحة خوفا من إغضاب الحكومة . و سألته بفرض أن الرجل يخشى الحكومة ، فهل يصح ذلك فيما يتعلق بأمور الاسلام ؟ و ذهب صديقى إلى أن ذلك يصح ؛ لأن الرجل يحافظ على منصبه . هكذا يفهم مجتمعنا المتدين الاسلام !!

- عندما كنت أتحدث مع صديق ، أثناء الحرب الاسرائيلية على غزة ، و أبديت غضبى من موقف البلاد و المجتمعات العربية ، و موقف المجتمع المصرى . أتفق معى صديقى ، و رأى أن هذا لا يجوز و لا يصح أبدا . و يبدو أنى أطلت عليه بعض الشىء . فقال لى : دعك من هذا الموضوع ، و أتركنا نعيش فى أمان ، فكلامك هذا قد يذهب بنا إلى ما وراء الشمس . ثم أخذ يضحك . و هكذا يفهم مجتمعنا المتدين الاسلام !!

- لنا جار معروف عنه الالتزام باداء الصلاة فى المسجد ، و الرجل محل تقدير من جميع الجيران . و عندما قرر أن يزوج ابنته ، لم يجد غضاضة أن يدخن المدعون الحشيش ، و هو يجلس على بعد أمتار منهم . و بالطبع أدى الرجل صلاة الفجر فى المسجد . هكذا يفهم مجتمعنا المتدين الاسلام !!

- أحد أصحاب الأعمال من ذوى اللحى الطويلة جدا ، و المؤدى بالطبع الصلاة فى المسجد ، كان يسعر بضاعة سوف يعرضها . و أشار عليه أحد العاملين أن يعرض القطعة بسعر 15 جنيها ، و هذا يحقق له ربح مناسب جدا . فقال له الرجل : أكتب عليها 20 جنيها . فسألت صديق متدين ( طبقا لوصف الناس ) عن ذلك التصرف ، فالسعر مبالغ فيه ، و هذا يعبر عن انتهازية و جشع . فرد على ً صديقى بأن التجارة شطارة ، فالبائع لا يجبر أحدا على الشراء ، و الربح فى التجارة حلال شرعا . و هكذا يفهم مجتمعنا المتدين الاسلام !!

- ذات يوم نصحنى صديق بإعادة القراءة فى الدين ؛ لأن لى أفكار علمانية . و أخبرته أنى اسلامى الفكر و التوجه ، فأعاد طلبه مرة أخرى . و تمنى لى أن يهدينى الله و يبعد عنى هذه الأفكار . فصديقى يرى أن أستاذة له فى القسم ممتازة علميا و سلوكيا ، و لكنها للأسف لا ترتدى الحجاب . فسألته : هل تولى هذه السيدة منصبا قياديا فى مجالها ، إن كان الأمر بيدك ؟

و أجاب بالنفى ؛ لأنها لا ترتدى الحجاب . و لا يجوز أن تكون امرأة غير محجبة مسئولة فى دولة اسلامية . أخبرته أن ذلك مخالف لمبدأ و مقصد اسلامى و هو العدالة ، التى تنظر للكفاءة ، لا لملابس الإنسان . فكان طلبه بإعادتى القراءة فى الدين . هكذا يفهم مجتمعنا المتدين الاسلام !!

- و فى يوم آخر قابلت صديقى هذا صدفة ، و كان فى طريقه لحضور حفل غنائى فى الجامعة . و الغناء عند صديقى حرام ، و من ناحية أخرى الحفل مختلط ، و هذا عنده حرام أيضا . إلى جانب المعلوم للجميع من تحرشات جنسية تحدث أثناء هذه الحفلات مرفوضة دينيا و إنسانيا . و لكن صديقى ذهب للحفل ، و لم يدَكر نفسه باعتقاداته حول الحرام و الحلال ، و لم ينصح نفسه بإعادة القراءة فى الدين . و هكذا يفهم مجتمعنا المتدين الاسلام !!

- لى صديق مؤيد للفكر السلفى . و ذات مرة أخبرنى أنه عندما يصلى مع السلفيين يشعر بالراحة . فقلت له : أنت تصلى لله ، و تدعوه ، فيستجب لك ، و ينزل سكينته عليك ، و تحفك الملائكة و أنت تصلى . فما علاقة من تصلى معهم برحمة الله . هكذا يفهم مجتمعنا المتدين الاسلام !!

- لى صديقة أخبرتنى ذات مرة أن الصداقة بين المرأة و الرجل لا تجوز شرعا ، و تؤدى إلى الرذيلة . فأبديت اندهاشى و سألتها عن صداقتنا . و أجابت بأن لها الكثير من الأصدقاء رجال ، و لكنها تعلم جيدا أن هذا حرام شرعا . و هكذا يفهم مجتمعنا المتدين الاسلام .

هؤلاء بعض أصدقائى ، و أفراد يعيشون فى مجتمعى المتدين . . هؤلاء بعض النماذج للفهم بلا منطق ، و ازدواجية الشخصية ، و افتقاد الخريطة الادراكية . هؤلاء يخلطون بين الذات التى يتحكمون فيها ، و بين الآخر الذى لا يملكون عليه سلطة . نحن مجتمع ذو ظواهر مميتة : الاستبداد السياسى ، اللامبالاة الجماعية ، البطالة ، سوء الأحوال المعيشية ، الاحتكار الاقتصادى ، الجهل ، أطفال الشوارع ، انعدام الضمير ، نهب المال العام ، انتشار المخدرات . نحن مجتمع متعايش مع كل ما هو سلبى ، و ظالم ، و غير إنسانى . و لكننا دائما نفتخر بالتدين . و لا أفهم معنى للتدين اللفظى و الشكلى و الشعاراتى . من الصعب يا أصدقائى أن نقيم مجتمعا متقدما بمجموعة من الملابس الفضفاضة ، و أغطية الرأس . من الصعب أن نقيم مجتمعا متقدما بمجموعة من الشعارات البراقة ، التى تنطقها الألسن ، و تقتلها بالفعل القلوب . نحن مجتمع يعمل فيه الرجال من أجل تأمين مستقبل الأولاد ، و فى سبيل ذلك قد لا يلتقون بهم إلا نادرا . نحن مجتمع مهتم بغذاء البطون ، و لكنه يترك العقل و الروح للجوع . استحالة أن يكون هذا المجتمع متبع للسلف الصالح . استحالة أن تكون كل هذه الظواهر السلبية قد تواجدت فى عصر الراشدين . نحن مجتمع يؤمن أننا لا نستطيع مواجهة أمريكا و اسرائيل . بينما مجتمع الصحابة فى غزوة الأحزاب قاوم و انتصر ؛ لأنه مجتمع يؤمن حقا بالله ، و يعمل لطاعته . قام مجتمع الصحابة على مبدأ الشورى ، بينما يقوم مجتمعنا على تزوير انتخابات الشورى ة الشعب و المحليات . . يقوم على مبدأ الحاكم الفرد . مجتمع يتصدى شيوخه لتكفير الشيعة و التجريح فى النصارى . و لكنهم لا يملكون أن يدينوا نظم فاسدة مستبدة تتحالف علنا مع الدولة الصهيونية ضد المسلمين . نحن مجتمع الفضيلة الواهم . . مجتمع فاضل ، و داعر فى نفس الوقت . إذا كان هذا هو تدينكم أيها المصريون . . آسف ، فلست متدين مثلكم . و تحياتى لمجتمعنا المتدين !!  

الاثنين، 20 أبريل 2009

عمرو زكى أم سعد زغلول ؟

سألنا الشباب فى محاولة للتعرف على مزاجهم الوطنى

عمرو زكى أم سعد زغلول ؟

د. عمرو أبوخليل : النظام يستغل النجاح الكروى سياسيا و الشباب مظلومون
طالبة جامعية : سعد زغلول سافر إلى باريس و رجع قفاه يقمر عيش

هل اختلف مفهوم الوطنية فى الماضى عن الحاضر ؟ حاولنا أن نعرف وجهة نظر الشباب المصرى فى الوطنية التى درسها فى كتب التاريخ ، حيث اعتبر البعض عمرو زكى بطلا وطنيا و أهم من أبطال التاريخ ، و كثرت المقارنات على المقاهى و فى الجامعات بين جيل لاعبى الكرة حاليا و بين أى فئة أخرى فى الماضى أو الحاضر . و أصبح الاختلاف حول رجال السياسة و الاقتصاد و الدين أمرا شائعا و ممكنا و متكررا ، بينما أجمعت أجيال الشباب على لاعبى الكرة بداية بأبو تريكة المتدين و انتهاءا بعمرو زكى أو السفير المصرى فى لندن كما لقبوه . قد تبدو المقارنة مستحيلة أحيانا ، و ظالمة لعمرو زكى أحيانا أخرى . لكن للشباب دائما رأيا آخر . . فقد فضل بعضهم عمرو زكى ، بل و عددوا أسباب أفضليته . ربما لا غرابة فى ذلك ، فالرئيس يحضر المباريات الرسمية و الودية على السواء ، و المصريون يملأون الشوارع فرحا بتخطى عقبة كوت ديفوار أو الفوز على الكاميرون فى النهائى . كان الشباب يحلمون عام 1919 باستقلال مصر ، و يقودون حركة ضخمة لجمع توكيلات الوفد برئاسة سعد زغلول . بينما انحسرت أحلامهم عام 2008 فى فوز فريق " ويجان " بجميع مبارياته ، و إحراز عمرو زكى جميع أهدافه . استطلعنا رأى مجموعة من طلبة جامعة عين شمس بالقاهرة . و كان السؤال : أيهما أفضل وطنيا عمرو زكى أم سعد زغلول ؟
الشباب يجيب . .
يقول ( محمد .ع ) : سعد زغلول لا ينكر فضله فى التاريخ على مصر ، و لكنه عندما سافر لمؤتمر الصلح لم يضف لمصر شيئا جديدا . و على النقيض ، استطاع عمرو زكى أن يحقق ما لم يحققه سعد زغلول ، و رفعت الجماهير الانجليزية أعلام مصر عاليا فى المدرجات . كما أنه يسعد المصريين جميعا بأهدافه ، بينما لم يعد على المصريين شيئا من إتباعهم لسعد زغلول إلا القتل و الاعتقال ، و لم تحقق مصر الاستقلال التام . بالطبع ، عمرو زكى أفضل من سعد زغلول و خدم مصر أكثر . و يتفق معه فى الرأى ( أحمد .ح ) : عمرو زكى كان يلعب كرة القدم حافى القدمين و هو صغير ، و كانت أمنيته أن يصبح لاعب فى الدورى الانجليزى . لعب لنادى المنصورة و انتقل لإنبى ، و احترف فى روسيا لفترة قصيرة . و رغم فشله فى الاحتراف ، إلا أنه لم ييأس . و انضم لصفوف الزمالك و تألق معه و مع المنتخب الوطنى . و أخيرا ، احترف فى الدورى الانجليزى و قدم مستوى غير متوقع . و عندما استطاع التهديف فى أول مباراة له ، بدأت ملحمة مصرية فى الملاعب الانجليزية . و وصفته الصحف الانجليزية بالفرعون المصرى و جوهرة النيل و أبو الهول . و كل هذا دعاية لمصر فى الخارج ، و يثبت صلابة و قوة المصريين . أما سعد زغلول أذكر أنى درسته فى كتاب التاريخ ، فهو زعيم الأمة . أليس كذلك ؟
يرى ( أحمد .أ ) أن سعد زغلول أفضل ؛ لأنه خدم مصر دون مقابل . بينما عمرو زكى خدمته مصر ، و أعطته الكثير . كفاية حسابه فى البنك . بينما يعتقد ( السيد.س ) أن سعد زغلول " خمورجى " و " باشا " و لم يذق المر كما ذاقه المصريون . و يتساءل : ما الذى فعله لنا عمرو زكى ؟ يا فرحتى إنه مصرى . هؤلاء لم يقدموا شيئا لمصر ، و المقارنة بينهما غريبة لأنهما فى مجالين مختلفين .
( أحمد.ع ) : سعد زغلول طبعا ؛ لأنه خلق وعيا لدى الشعب . بينما عمرو زكى يهلل له الناس فقط . صحيح ، أنا معلوماتى عن عمرو زكى أكثر لأنه فى زمنى ، " و بعدين مين فاضى يقرأ التاريخ " . بينما يفضل ( محمد.ز ) عمرو زكى لأنه موجود حاليا . أما سعد زغلول فقد مات . كما أن تأثير عمرو زكى أكبر بكثير من تأثير سعد زغلول . و ترى ( منة.ج ) سعد زغلول أفضل ؛ لأنه غير فى التاريخ . عمرو زكى شخصية جيدة ، و لكن المقارنة بينهما ظالمة . أنا أسمع إن سعد زغلول كان مجنون حبتين ، و أن صفية زغلول عملت حاجات مش كويسة . و لكنه أفضل من عمرو زكى . و يوافقها الرأى ( اسلام.ن ) : فعمرو زكى لاعب كرة ، و إنجازه الوحيد أنه رفع اسم مصر كرويا . بينما استطاع سعد زغلول جمع الشعب ضد الاحتلال و الظلم . و يعتقد ( محمد.ر ) أن سعد زغلول علمنا الكثير ، و أمثاله اليوم لا تصل أصواتهم . و عمرو زكى لم يفعل لنا شيئا و المسابقات التى تتم لاختياره أفضل لاعب فى أفريقيا مقصود بها إلهاء الشباب عن الشأن السياسى . تختلف ( مياده.ح ) مع الآراء السابقة و تقول : عمرو زكى أفضل لأنه يمثل مصر فى الخارج . سعد زغلول سافر إلى باريس ، و " رجع قفاه يقمر عيش ، كان نفسه يعمل حاجة و معرفش " . و يكفى أنهم يشيرون لعمرو زكى بالمصرى " و بعدين عمرو زكى زملكاوى زيى ، لكن سعد زغلول يمكن كان أهلاوى " . و لدينا فى مصر حاجة اسمها تقديس الشخصيات . و سعد زغلول من الشخصيات المقدسة و من يفضلونه على عمرو زكى لا يريدون أن يخالفوا التقديس . تقول ( منة.م ) : سعد زغلول رجل وطنى . لكن " عمرو زكى ده بتاع كلبات ، شفته قبل كده فى المول مع بنات " . ممكن أبو تريكة يكون أفضل من سعد زغلول ، فأنا أهلاوية . و أخيرا لا يذكر ( عنتر.ح ) إلا هتافات الجماهير فى الأفلام و المباريات . " سعد سعد . . يحيا سعد " و " زكى . . زكى " .
و الخبير يعلق . .
حملنا الآراء السابقة إلى مركز الاستشارات النفسية و الاجتماعية . و بعد عرضها على الخبير النفسى د. عمرو أبو خليل أجرينا معه هذا الحوار :
- هل المقارنة بين عمرو زكى و سعد زغلول منطقية ؟
- المقارنة منطقية لأنها أوضحت رؤية الشباب للزعماء . فهناك من يرى سعد زغلول أنه مجرد باشا أو خمورجى . و هذه الآراء الغريبة تطرح تساؤلات عديدة حول كيفية تدريس التاريخ للشباب . و من جانب آخر أظهرت المقارنة اختلاف مرجعية القياس لدى مجتمع الشباب . فكرة القدم و الشهرة و الهتاف أصبحت ميزان لقيمة و تأثير البشر . و هذه النتائج المترتبة على سؤالك " الكاريكاتورى " تبدو صادمة . و يجب على مراكز الدراسات الاجتماعية و خبراء التعليم و المفكرين أن يسارعوا إلى دراسة هذه الظاهرة .
- ما الذى يعبر عنه تفضيل الشباب للاعبى كرة القدم ؟
- ميل الشباب إلى تفضيل لاعبى الكرة تعبير عن الفشل و عن عدم وجود مجالات أخرى للنجاح . فعندما نظمت المانيا كأس العالم احتشد الشعب الالمانى خلف فريقه . و لكن فى ذات الوقت الصناعة متطورة جدا و الديمقراطية أساس وجود النظام السياسى . و أضف أيضا انتظام الحياة العملية و نظافة الشوارع و الميادين أثناء البطولة . هنا تأتى الرياضة ضمن منظومة متكاملة . بينما مصدر الفخر الوحيد لنا كرة القدم . حيث تحول حسن شحاته و أبو تريكة إلى أبطال . و اختزل الوطن كله فى كرة يمكن أن تدخل المرمى أو يتصدى لها حارس المرمى .
- لماذا لا يكون لجيل الشباب مقاييس مختلفة ؟
- مقاييس الحضارة ثابتة . و التقدم يجب أن يشمل كافة المجالات . الشباب لم يتعلم ما هى الحضارة الحقيقية . و لو تواصل الشباب مع المجتمعات الأخرى فلن يجدوا من يفخر بالفريق القومى . الالمان يفتخرون بالمرسيدس و اليابانيون بالكمبيوتر و الهنود بالقنبلة النووية . فمن الصعب جدا أن يصبح الترويح مقياس للحضارة .
- من المسئول عما وصل إليه الشباب ؟ و من يتحمل الجزء الأكبر من المسئولية ؟
- كلنا مسئولون عن هذه الأفكار التى كونها الشباب . و النصيب الأكبر للآباء و الأمهات . على سبيل المثال استطاع الشعب الفلسطينى أن ينقل تاريخه من جيل إلى آخر رغم ما يعانيه من احتلال . و الشباب الفلسطينى متمسك بالمقاومة . و نحن كذلك نستطيع أن نقدم التاريخ لأبنائنا بعيدا عن الحكومات و النظم الفاسدة .
- و ماذا عن دور الدولة ؟
- أين هى الدولة ؟ هل لدينا دولة فى مصر ؟ هذا كيان غير موجود . هم فى طريقهم لبيع البلد على هيئة صكوك و أوراق .
- هل الشباب بلا منطق ؟
- الشباب لديهم منطق ناتج من منظومة تربوية و ثقافية و إطار البيئة التى نشأوا فيها . و لا يمكن أن ننعتهم بالتفاهة أو نوجه لهم اللوم . بل يجب أن نحاورهم و نقدم لهم المعلومة الصحيحة . فهم مظلومون . و رسالة التحفيز الكروى تحقق نجاحا كبيرا و يتبناها النظام لأنه يستغل النجاح الكروى سياسيا .
- كيف يمكننا تصحيح أفكار الشباب و الأجيال الجديدة ؟
- البداية من الأسرة . لا يجب أن نستسلم لحالة غسيل العقول . يجب أن نعلم أولادنا التاريخ و مظاهر الحضارة الحقيقية فى المساجد و الكنائس و الجامعات و النوادى و الجمعيات . و يمكننا بذلك الخروج من حالة التشويش و الاضطراب إلى التحديد و الوضوح . يجب أن نعلم الشباب ضرورة الموازنة بين الحياة العملية و مشاهدة المباريات . على عكس مايحدث الآن فالمصريون يتكدسون على المقاهى و يتركون أعمالهم من أجل متابعة مباريات كرة القدم .
البعض يرد عبثية أفكار الشباب إلى المجتمع المحيط بهم و البيئة التى نشأوا فيها . و البعض الآخر يؤمن بوجود عيوب متعلقة بالشباب أنفسهم . و لكن المؤكد أن المقاهى ذاخرة بالشباب ، و الأعلام البيضاء و الحمراء و الزرقاء ( أعلام ويجان ) ترفرف عاليا فى السماء . و لا تزال كرة القدم هى الإنجاز الوطنى الأوحد أمام أعين هؤلاء . و ذلك حتى إشعار آخر أو إلى أن يطلق الحكم صفارته !

الخميس، 9 أبريل 2009

الكأس الصينية
- الزمان : العاشرة ، صباح الثلاثاء 24 مارس 2009 .
- المكان : أمام مبنى ( د ) ، فى المدينة الجامعية .
- الحدث : خرج العبد لله لتوه من الحمام ، بعد أن استمتع بحمام دافىء . قابلت أحمد سليمان ، و أحمد عبد الرحمن ( 3/ صينى ) يحملان كرسيا ، و ذاهبان إلى حيث لا أعلم . سألتهما : إلى أين ؟
أجابا : سنتدرب فى الجنينة استعدادا لمسابقة المركز الثقافى الصينى . و على الفور ، ذهبت معهما . و استمعت أنا و سليمان إلى قصة عبد الرحمن ، و صفقنا له سويا . طبعا أنا لا أجيد الصينية ، و لكنى أجيد التشجيع . ثم ألقى سليمان قصته بأسلوب مرح و شيق . و لاحظت بصفتى ممثل فاشل أن الأداء التمثيلى لأحمد سليمان أكثر من رائع . و يبدو أنى لست وحدى من لاحظ ذلك . فقد كان يتابعنا شاب من شرفة غرفته بالدور الأرضى ، و وجدته مبتسما يصفق معنا ، بعد أن أنهى سليمان قصته . شعرت بالطمأنينة . ثم قام الشيطان بدوره ، و حدثنى قائلا : يا نهار أبيض ، لو العيال مجبوش مركز من التلاته الأوائل . . ده أنت تموت فيها . تمنيت لهما التوفيق ، و قررت أنى لن أذهب للمسابقة . خاصة بعد أن اعتمدت هذا اليوم عطلة رسمية لنفسى ؛ نظرا لكونى رئيس جمهورية نفسى .
فاصل من الروحانيات و الأكل و النوم
- الزمان : بعد العاشرة بفسوة ، مساء الثلاثاء 24 مارس 2009 .
- المكان : نفس ذات المدينة الجامعية ، و لكن هذه المرة فى غرفتى بمبنى ( د ) .
- الحدث : كنت أستمع إلى آراء بعض الأصدقاء ، و بعض ما نتج عن شحذ قرائح شعراء المدينة . فجاءنا السيد الراوى بالبيان التالى : فاز أحمد سليمان بالمركز الأول فى المسابقة ، و فاز أحمد عبد الرحمن بالمركز الثالث ، و حصل كل منهما على كأس . و أفاد بهذا البيان رئيس الديوان الصينى أحمد الباز . استعذت بالله من الشيطان ، الذى وسوس لى بعدم الذهاب . و انتابتنا حالة عميقة من النشوة و السعادة ، و كأن مصر فازت على الكاميرون مرة أخرى فى نهائى كأس أفريقيا . و على الفور تمت استعارة طبق غسيل ( كروانه ) ، و توجهت مجموعة تضمنى و الروبى و الراوى و التسعاوى ( المانى ) إلى الدور الثانى ، حيث تقع غرفة سليمان . و أذهلنى الصمت الذى يسيطر على غرفته الممتلئة ، كله قاعد ساكت . . الباز و كريم و خالد و عمرو و عبد الرحمن و سليمان . و كأن على رؤسهم ذكر بط متزغط . و بدأنا العزف بروح سكندرية صافية . . لم يكن عزفا بالمعنى المعروف . كان زفة بسيطة . و انطلقت الأغانى فى أجواء احتفالية . . مبروك عليكم و علينا ، و الله و عملوها الرجاله ، و الناجح يرفع ايده . التف الطلاب جميعا ، من يعرفون الفائزين ، و من لا يعرفون شيئا . و تقطعت أنفاس الذين أنجبونا من كثرة الهتاف " سليمان . . عبد الرحمن " .
وخلصت الحدوتة
أزعم أن الحدوتة لم تنتهى بعد . ستستمر فصولها يوما على صدر يوم . ستكملها أجيال قادمة ، و سيكملها هذا الجيل فى المستقبل القريب . هى حدوتة مصرية خالصة . . حدوتة الاجتهاد ، و الثقة بالنفس . . حدوتة الحب ، و الأخوة . . حدوتة الروح الجماعية المحبة لوطنها . هى روح مصرية واحدة ، منحها الله لهذا الشعب ؛ لكى يفرح ، و يبدع ، و يتألق . أغمضت عينى فى هذه الليلة ، و شاهدت هذا المشهد ببطء :
احتفالية ذكريات جميلة لخريجى كلية الألسن دفعة 2010 . لافتة كبيرة ، و دائرة مستديرة . أتى الجميع بلا استثناء . و أولادنا يلعبون فى قاعة ترفيهية للأطفال . و جلسنا نحن نتبادل التحيات و السلامات . ثم خرجت مع الأصدقاء إلى الأطفال ، و بدأت أحكى لهم حكاية الكأس الصينية . . حكاية جيل مصر على النجاح .
محمد عبد السلام / 3 المانى

السبت، 21 فبراير 2009

21 فبراير . . لسنا صغارا

من بين عدة نقاط شديدة الأهمية ، اخترت أن أناقش فى مقالى هذا : رؤية المعارضة للعمل الطلابى . فيوم 21 فبراير هو يوم التضامن العالمى مع الطالب المصرى أو يوم الطالب المصرى ، فى ذكرى انتفاضة الطلاب المصريين ضد الاحتلال البريطانى عام 1946 . أما يو الطالب العالمى ، فهو 17 نوفمبر احتفاءا بانتفاضة طلاب تشيكوسلوفاكيا ضد الاحتلال الالمانى خلال الحرب العالمية الثانية . و قد صدر منذ أيام بيان للجنة طلابية من القوى الوطنية و شباب 6 أبريل ، يدعو إلى الاحتفال فى 21 فبراير بيوم الطالب العالمى . فالمناسبة تبدو غير معروفة جيدا للمحتفلين بها . و رغم ذلك اللبس ، فإننى أشيد بتذكر هذا اليوم و أعتبره خطوة شديدة الأهمية . أما ثانى ملاحظاتى على بيان أصدقائنا الناشطين من الطلاب ، أنهم وضعوا مطالب أربعة : طرد الحرس الجامعى - تخفيض المصاريف - إلغاء اللائحة القائمة - إنشاء نظام تعليمى متطور . و هى مطالب مرتبطة بالنظام ، ترفعها لافتة احتجاج ، و تتصدى لها مظاهرة من بعض الطلاب . بينما النظام لا يستجيب و غالبية الطلاب لا يفهمون من يتحدث عن ماذا !!
لقد تخيلت أربعة مطالب أخرى ، شديدة الأهمية ، و أقرب إلى التحقيق :
1) دعوة القوى السياسية لإنشاء مركز دراسات للحركة الطلابية ، يضم كافة الباحثين المهتمين بها . و يعمل هذا المركز على توثيق تاريخ و واقع الحركة الطلابية . و يصدر فى سبيل ذلك الكتب و النشرات و الدوريات ، و يقيم ندوات و مؤتمرات . و يجرى الاستطلاعات فى أوساط الطلاب .
2) الإعداد لمؤتمر طلابى يضم كافة طلاب القوى السياسية و الطلاب المستقلين ، يناقش هوية الحركة الطلابية و رؤية موحدة تجاه دورها و أدواتها للدفع إلى التغيير .
3) دعوة رؤساء التحرير المؤمنين بدور هذه الأجيال الجديدة إلى تخصيص صفحة للطلاب و قضاياهم يوميا أو أسبوعيا أو شهريا . و تتابع هذه الصفحة نضالهم ، و تسمح لهم بكتابة أفكارهم فى مقالات رأى ( ألن يغير هذا من ضعف معلومات بعض الطلاب ؟ ألن يعيد لهم شيئا من الثقة بأنفسهم و أفكارهم ؟ ) .
4) العمل مع منظمات المجتمع المدنى و النقابات و القوى السياسية على تنظيم برامج خاصة بالطلاب ، تضيف إلى رصيدهم الثقافى و المعرفى .
هذه المطالب عميقة و استراتيجية ، لو بدأنا العمل فيها من اليوم ، فستجعلنا غدا أقرب إلى التغيير و أكثر فهما بما يجعلنا فى موقف ضاغط قوى يجبر النظام على النظر لمطالبنا و السعى لتنفيذها .
ذات يوم كنت أتناقش مع صديقة يسارية ، و تعجبت من تخبط العمل الجامعى ، فهو ما بين اتحاد حر ( موازى ) ، و حركات احتجاج اجتماعى ( حركة حقى ) ، و يصعد طبقا لمزاج تيار ، و يهمل لأن التيار أو الجماعة له حسابات خاصة . و قلت لها : تصورى أن حركة احتجاج اجتماعى ( تتابعها كل الصحف ) ترسل لى بريدا اليكترونيا يدعونى إلى اجتماع للتعارف فى كافيه أجنبى فى أحد مولات القاهرة ( يكلف الشىء الفلانى ) و مناقشة الاحتجاج على غلاء المصاريف . فقالت لى : إنهم صغار ، و لابد أن يتخبطوا . و هذا يكسبهم خبرة فى المستقبل . أزعم أننا كطلاب جامعيين لسنا صغارا . و إذا لم تكن حركتنا و جهدنا و عملنا مخطط له جيدا ، و بأمل كبير و نفس طويل . فلن نفعل غدا ، و سنظل أبدا بين جبهة و غيرها ، و مطلب و غيره ، نختلف أكثر مما نتفق ، و تظهر أخبارنا فى الصحف عابرة أحيانا ، و ساخنة أحيان أخرى . كل عام و أنتم مخططون !!

الثلاثاء، 27 يناير 2009

عمرو خالد و القضبان الحديدية

" الفكرة شىء إنسانى عجيب ، فهى دائما تتطلب عملا و جهدا و أحيانا تخطر للإنسان فكرة فيظل يستضعفها و يهملها و هو كاره ما وراءها من عمل حتى يقتلها ، و أحيانا تخطر له فكرة فيها جدة و فيها روعة و لذة فتقلب هدوءه رأسا على عقب ، و تنفخ فيه أطنانا من النشاط " - اقتباسا من الأديب الرائع يوسف إدريس - ، و هذا هو عمرو خالد ، مفكر نشيط . و إذا سألتنى من هو عمرو خالد ؟
أقول لك : هو رجل مؤمن بالله ، يستلهم كل ما جاء به الإسلام و جميع ما قدمه المسلمون من نماذج حضارية ناجحة ، و يخاطب الشباب بلغة يفهمونها محاولا بذلك أن يحافظ على أهم و أصدق و أخلص ما تمتلكه أمتنا العربية الاسلامية ، و هم شبابها و قدراتهم و حماسهم للإصلاح و التغيير و التنمية . رجل قدم جهودا فى تجديد الخطاب الدينى ، و محاولات جادة لدفع التنمية باستخدام الإيمان ، و سعى لمكافحة الإدمان . و فى كل خطواته ، بدأ بفكرة ، ثم واصل نشرها ، و أشرك فيها ما استطاع أن يشرك من هيئات و مؤسسات و أفراد شبابا كانوا أم شخصيات عامة . إنه رجل ظاهرة لا يمكن أن نضعه فى خانة المشايخ و لا المفكرين أصحاب القلم و لا الدعاة الجدد الذين وزعت أدوارهم بين الفضائيات و اقتصرت دعوتهم على الأفراد دون إشارة للمجتمع . بمعنى أن عمرو خالد يشغل مساحة عمرو خالد ، لا يمكن مقارنته بالقرضاوى و لا العوا و لا هويدى ، ليس حسين يعقوب و لا محمد حسان و لا مهدى عاكف ، و لا معز مسعود و لا مصطفى حسنى . لا يعنى هذا أنه أفضل من هؤلاء ، و لكنه يعنى أنه صاحب مشروع أكثر حيوية و نشاطا على الأرض و بين الشباب من كل هذه الأفكار و القامات و الفلسفات . رجل ذهب إلى الكاتدرائية بالعباسية ، و حضر قداس عيد الميلاد . فالتف حوله الشباب و التقطوا معه الصور التذكارية . ثم أمتعنا بحوار رائع أثرى و عمق و أكد على وحدة هذا الشعب . و تسأل فى أى خانة نضعه ؟
وصفه شيخ سلفى ذات مرة بأنه " نجم شباك " و تسبقه شهرة واسعة كلاعبى الكرة و الفنانين ، و لكنه فى الواقع يخرب عقول الشباب ، و لا يعرف العلم الشرعى . و قد أجمع مشايخ التيار السلفى على نبذ عمرو خالد . و ما لبث أن نبذه الوسطيون . لماذا ؟
لأن الشيخ القرضاوى رأى أنه لا حوار مع الغرب بعد الرسومات المسيئة للرسول . و كأن رأى الشيخ القرضاوى ملزم للجميع . و عندما أبدى عمرو خالد أسبابه التى دفعته دفعا للذهاب إلى الدانمارك ، ظل الجميع يكرر أنه خالف القرضاوى دون أن يتركوا عقولهم تناقش ما قدمه عمرو من أفكار و آراء . و اتسعت ساحة المخالفة ، و فى لقاء تليفزيونى كرر الفنان عادل إمام اسطوانة مخالفة عمرو خالد للقرضاوى ، و هذا بالطبع لأن عادل إمام قرأ كتب القرضاوى و حضر دروسه و صلى خلفه و لم يخالف بعضا مما يعتقده القرضاوى . و ظلت فكرة أن فلانا خالف فلان تسيطر على البعض . فكتب الأستاذ حمدى رزق ممتدحا حملة قادها الدكتور سليم العوا لمقاطعة البضائع الهولندية . و فى نهاية مقاله أشار إلى أن مواجهة الإساءات من الغرب يجب أن تكون مواجهة اقتصادية كما فعل العوا ، و ليست الدعوة للحوار كما يفعل آخرون . والسؤال : لماذا لا تكون ساحة " الفكر الاسلامى " تسع الجميع ؟
لماذا هى حكر على السلفيين عند جمهورهم ، لهم مساجدهم و دعاتهم و شرائطهم و ملابسهم . و عند الإخوان حكر على الإخوان ، بذقونهم المحلوقة ، و آرائهم السياسية العجيبة و رموزهم و مرشدهم و مكتب إرشادهم . و عند الوسطيين حكر على الوسطيين ، بشيخهم المجدد ، و مفكريهم المستقلين و آرائهم المستنيرة . و لا عجب فى أن يكون عمرو خالد منبوذ من هؤلاء جميعا ، و إن تفاوتت حدة النبذ . لا عجب أن منتسبى العلمانية يسلخون الرجل فى جرائدهم ، من اليسار إلى اليمين ، و الكل فى ذلك سواء . الرجل قدرته فائقة ، جاذبيته لا تقاوم ، مصداقيته لا يمكن التشكيك فيها . و قبل ذلك كله ، أدرك عمرو خالد مفهوم الإيمان و طبقه ، حيث أن الجميع يؤمنون بالله . و هذا يكفى لكى نعمل معا من أجل إعمار الأرض . فلم يهاجم مخالفا له . أحترم الجميع بمن فيهم الذين سبوه جنبا إلى جنب مع الذين قدروه و أطروا عليه . و استطاع أن يبقى متسامحا ، متعايشا ، مستمرا فى مشروعه الذى ينمو سريعا . دعوته عالمية ليست لها حدود . و أتباعه يعلمون إخلاصه ، و يخلصون للرسالة ، التى أكد عمرو مرارا و تكرارا أنها رسالة ( محمد ) . و رغم ذلك لم ينتبه الكارهون ، وظلوا يتحدثون عن عمرو . فلتذهب أحقادهم على الرجل إلى الجحيم .
أما علاقة عمرو خالد بالنظام ، فلها من التعقيدات الكثير و المثير . الرجل فى بداياته لم يظهر ما يستوجب التضييق عليه ، يلقى دروسا فى مسجد بمدينة 6 أكتوبر . يحضر دروسه أعداد كبيرة . ذلك معتاد فى مساجد أخرى ، و مع مشايخ و دعاة آخرين . يقول عمرو خالد أن النظام الأمنى ساوره قلق إلى أين يأخذ هذا الرجل الشباب ؟ و أنه لم تكن أفكاره واضحة بمثل ما كان عليه الحال عندما عاد إلى مصر و بدأ يتحرك فيها بحرية . و يبدو أن عمرو خالد مارس شيئا من الدبلوماسية . فمشكلة النظام ليست كونه إرهابى أم معتدل ؟ و لا هو سلفى أم وسطى ؟
إنما المشكلة أنه يفك شفرات الشباب بسهولة ، و يصل إليهم بسرعة ، و يؤثر فيهم بأفكاره . كل ذلك لا يقبله الجهاز الأمنى ؛ لأن فى ذلك خطر على ما أرادوه للمجتمع . أرادوه بلا رموز ، و أرادوا للشباب أن يظلوا بلا قضية . اللهم إذا كانت قضيتهم تشجيع المنتخب الوطنى !!
لماذا سمح له النظام بالعودة ؟ لماذا أعطاه النظام الحرية فى حملته " حماية " ؟
ربما لأن الرجل كان مؤدبا إلى أقصى الحدود . لم يصرح طيلة وجوده خارج مصر بأى تصريحات تدين الأمن و طريقة تعامله معه . لم يذكر شيئا عن منعه من أداء رسالته ، و التواصل مع الناس . بالإضافة إلى نجاحه و هو خارج مصر فى مواصلة الدعوة و خوض التجارب و المشروعات . و قاد الشباب عبر النت و التليفزيون و الكاسيت . لم يمتلك مساجد ، و لا خصصت له مكتبات الدعوة و الدعاة . و مع ذلك نجح و أثر و ظهر تأثير واضحا جليا . فربما رأى الأمن أنه لا مانع .
ثم . . ثم ، إذ ، ربما يكون لنجاحه فى حملة " حماية " ، و زيارته للكاتدرائية جنبا إلى جنب مع جمال مبارك ، و كتاباته للمصرى اليوم ، و حلقات برنامجه فى الدستور ، و مؤتمرات يحضرها فى أنحاء العالم . إذ ، ربما قد شعر الأمن بقلق ، و أحس فى معدته بمغص . فالرجل ما تحدث فى شىء إلا و أثار الانتباه . لم يدخل فى مشكلة مع أحد ، لا سب شيخا ، و لا عادى قسا . و ما زالت شعبيته فى ازدياد ، و تأثيره حاضر بقوة . فقرر الأمن أن " يكنسل " عمرو خالد مرة أخرى . لا للحملات . . واضحة صريحة . و خاصة عندما تكون حملته الجديدة عن الفقر و التعليم . فالمستهدف هذه الطبقة الفقيرة المعدمة ، و وسيلة الاستهداف الشباب . ربما هذا أمر عادى بالنسبة لنا . و لكنه فى التقارير الأمنية يحمل ملامح ثورية " حبتين " . رغم مايكرره الرجل كثير بأن ما يفعله بغرض مساعدة الحكومات التى عينها الحكام . و أنه يسعى لمساندة نهضة و تنمية المجتمع دون خروج عن النظام السياسى . و لكن . . لا يمكن أن يتركوه يكبر بهذا الشكل . يجب أن يقطعوه من الجذور ، و جذوره هم الشباب . فليبعدوه عنهم .
أتوقع ألا يرد عمرو خالد . فقد اعتاد الرجل أن يصمت إزاء ما يتعرض له من تضييق و تصرفات سيئة . سيظل الرجل صامتا ، و لكنه صامدا و عاملا فى ذات الوقت . مشروعاته فى أقطار أخرى كاليمن و السودان و الجزائر . و مازالت برامجه تبث عبر الانترنت . و السؤال : هل كنت ستصمت لو كنت مكان عمرو خالد ؟
و الإجابة بالنفى . و لكننى لست مكانه . و لا يمكننى أن أدعى أنه مخطىء أو يسىء تقدير الأمور . و الخلاصة : عمرو خالد قطار لا يمكن لأحد أن يوقفه ؛ لأنه لا يسير على قضبان حديدية فقط . بل يسير على الزلط و الرمل و التراب و الطين . و كلما أبعدوه عن تربة ما ، سار على الأخرى ، و زاد من سرعته . ليت منتسبى الفكر أو حارسى أمن " مصر مبارك " يدركون ذلك !!!