الاثنين، 3 أغسطس 2009

المسيرى .. الإنسان

لم أكن أعرف الكثير عنه . و لا أجد مبررا لذلك إلا حداثة سنى آنذاك . و الحق أنى لم أقرأ كتابا كاملا للراحل المسيرى . و لا عذر لى إلا إهمالى و تقاعسى عن القراءة . و ثمة مفارقة أخرى ، فالعمل الوحيد الذى قرأته للمسيرى كاملا هو مقدمته لبرنامج حزب الوسط . و رغم أن هذه المقدمة لم تحظى بشهرة أعماله الأخرى ، إلا أنها قدمت خلاصة الأفكار التى آمن بها الراحل .
جلست إليه غير مرة فى جمعية مصر للثقافة و الحوار ، و كنت ممن يحضرون ندوته الشهرية . و ذات مُنع الراحل المسيرى من التواصل مع طلاب الجامعة فى ندوة دعته إليها إحدى الأسر فى كلية الطب . و كان أن حاصرت قوات الأمن القاعة ، و منعت غالبية الطلاب من دخولها . فجاءنا المسيرى غاضبا ساخطا على هذه العقلية الساذجة .. فالرجل ذهب كمفكر كبير و أستاذ جامعى قدير ؛ ليلتقى شبابا يلهثون وراء فكرة نظيفة ، و يبحثون عن قيمة و رمز .
وجهه البشوش ، و أساؤيره المنفرجة ، و الدفء الذى يشع من عينيه لا تزال تعكسهم زوجته الدكتورة هدى حجازى . و علاقة المسيرى بزوجته ، و حبه العميق لها يستحقان مزيد من التأمل . فلا أخفيكم سرا أن الرجل قدوتى فى الحب و الزواج ، تماما كما فى الفكر و الأخلاق . أى سحر امتلكه المسيرى ليمنح آلة مادية صماء الروح حتى أصبحت عندى رمزا للحب .. إنه ترام الاسكندرية ، وسيلة المواصلات ، الذى يسير بين محطة الرمل و فيكتوريا . و لكنه مع المسيرى ، و فقط المسيرى ، شىء آخر . حكى لنا الراحل قائلا : عندما كنت طالبا بجامعة الاسكندرية ، أحببت زوجتى الدكتورة هدى . و كنا نركب الترماى سويا ، و نجلس فى الدور الثانى . حتى إننى عندما كنت أركب بمفردى ، يسألنى الكمساريه : أين الآنسة التى تجلس معك دائما ؟
هكذا كان المسيرى بسيطا ، متواضعا ، صريحا ، و محبا مخلصا . قاوم الفساد و الاستبداد بشراسة ؛ مما جعل النظام يغيب عن وداعه ، باعثا برسالة للمفكرين بأن النزول للشارع خط أحمر .
و المسيرى قامة فلسفية كبيرة ، مثله فى ذلك مثل أرسطو و كانط و روسو . فهو مفكر اعتز بايمانه ، و انتمائه ، و ذاكرته . إن هو مات - و قد مات بالفعل - فأفكاره و تلاميذه باقون .
أفتقده الآن بشدة . أفتقد حديثه الممتع ، و نبرته المتفائلة . افتقد ابتسامته لى عندما كنت أعقب أو أسأل .. أفتقد هذه النظرة التى كانت تشعرنى أنى إنسان له عقل و رأى يحترمه مفكر كبير . لقد دافع عنا - نحن جيل الشباب - . و أعتقد أنه من الواجب و كنوع من الوفاء لهذا العملاق أن ندافع عن أنفسنا قليلا .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق