آرنو لسكتة سريعة يمكنها أن توقف سيل الأسئلة المتناثرة المتلاحقة فى ذهنى الشارد . يملؤنى شجن يسبح فى بحور من الالآم ، ينتقل بى من وجع إلى وجع . على قدر حبى لنفسى ، و اعتزازى بأفكارى ، و إيمانى بقيمى .. إلا أنى بت أكرهها ؛ نفسى و قيمى و أفكارى جميعا . و لست أدرى لذلك سببا مقنعا ، و لم أشغل نفسى بشىء عدا التساؤل و الكراهية . ربما لم أحقق شىء من أحلامى الكبرى . لا يزال صوتى حبيس أحبالى . و لا تزال كلماتى حبيسة أوراقى . الأوراق فى الأدراج ، و مازالت هى الأخرى حبيسة العلن . و كأنها لا تعدو أن تكون إلا مجموعة أسرار تافهة لعاهرة من عاهرات الليل ، لن تزيد أهميتها بأى حال عن أهمية ملابسها الداخلية . تمنيت أن يصف لى طبيبى ذات يوم دواء ، بل أقراص تسمى سكتات . و كلما اشتد علىَ التساؤل و لحقته الكراهية ، أثب وثبة واثقة فاتحا علبة الأقراص ، و أبدأ فى ازدرادها . يا لها من لحظة سعادة نادرة !
تبدأ التساؤلات فى الخمود ، و تنطفىء نار الكراهية بغتة . لا قلق بعد اللحظة . لن يرانى أحد شارد الذهن ، و لن أرهق ذهنى بالبحث عن اجابات . فقد خدرت السكتة تلك الشحنات العصبية المتزايدة ، و ألقت بى على الفراش أشبه بجثة هامدة . و لن يستطيع مخلوق أن يوقظنى .
أتركونى لسكتتى ، كم هى رائعة الولوج !
و كأنها عشيقتى التى تمكنت منى على الفراش بحيث امتلكت هى المبادرة . و لم تترك لى إلا رد الفعل الممزوج بآهات مكتومة .
المؤسف أن السكتة الطبية لم توصف لى ، و لم أذهب إلى طبيب ، و لا أخذت قرصا ، و لا سقطت سهوا . و قد عادت التساؤلات تلح على ذهنى من جديد ، و باتت مناعتى أمامها ضعيفة . بقيت أسيرا للحظة . لكل لحظة بلا أمل فى النجاة ، بلا طاقة للصراخ . لماذا لا يتحول دعاء الأمهات على أطفالهن بالسكوت إلى حقيقة ؟ ألم تتضايق أمى من ثرثرتى غير مرة ؟ ألم تطلب من الله أن يكتم هذا الصوت الذى لا يتوقف عن العطس الكلامى ؟
لو أن السكتة عبرة لذرفتها غير آبه بما سيحدث . و ما لى والناس الذين يشيرون إلى مُسقط الدمع الذى انهار أمام الجميع و لم يعد له سند . يخيل إلى أن الدمع كالسكوت ، فى كليهما راحة . عن ماذا أبحث الدمع أم الراحة ؟ و ماذا عن السكتة ؟
تمنيت أن أصبح آلة ، قوامها الأجزاء اللازمة للعمل ، و حياتها العمل . يا للذة الحياة حينها . . يزداد عمل الآلة ، فتزداد الإنتاجية ، و تكون المكافأة بمنحها مزيدا من العناية و الرعاية . تسترق الآلة السمع إلى عمال المصنع و هم ينعتونها بـ " وش السعد " . لقد حصلت على تقدير لا يخلو من بعد إنسانى .. إلا أنها بقيت آلة تعمل و تعمل و تعمل . ويحك ، لست أفضل حالا منها . بل هى أفضل منك . العمال ينظرون إليك و أنت جالس وحيد شارد الذهن لا تعمل ، و لا تنتج . إنك هنا فقط تتحول إلى أضحوكة ، و تتعالى من حولك صيحات الاستهجان ، و تبدو كغريبى الأطوار ، الذين يزعجهم تفحص الناس لهم .
لو كنت ملكا ، يأمر فيطاع ، لبنيت قصرا من السكتات . سكتات لها من التنويعات ما للغرف ، و لها من الألوان الزاهية ما للأثاث من بهجة و أبهة و فخامة . . . سكتة النوم ، سكتة المعيشة ، سكتة المطبخ ، سكتة الحمام . إذا ما دلفت إلى سكتة النوم ، أغط فى نوم عميق لا تنغصه علىَ التساؤلات ، و لا تلاحقنى قبله الكراهية . نوم يخلو من الكوابيس النصف مرعبة التى استرجع فيها لقطات و لقطات . و تتحول التساؤلات إلى مشاهد تبقى غير ممكنة الفهم لمشاهد عادى مثلى ، بل و لنقاد السينما أيضا .
سكتة الحمام غريبة .. لا تفكير فى أعضاء جسدى العارى أمامى ، و لا وظائفها التى سخرت بهذا الشكل لأدائها . لم يستهونى ميل لممارسة العادة السرية . فقد سكتت الشهوة .. أو بمعنى أدق تعبيرا ، فقد سكتت شهوة البحث فى وظائف الأعضاء ، لا شهوة الأعضاء فى أن تمارس شيئا كانت له من الفاعلين .
سكتة المطبخ محزنة .. أوانى ممتلئة بالأطعمة ، و مزاج لا يسمح بتناول الطعام . إنها لحظة كأيام الموت الأولى ، عندما يبقى فؤداك متعلقا بالفقيد ، صفاته ، و ذكرياته . ثم لا تدركك هذه الشهوة اللعابية اللعينة . و أنت فى أعماقك البعيدة تتمنى أن تستمر فى الصوم ، مستحضرا معانيه الروحية على غير تفسير . و تقودك رغبة جامحة أن تلحق جثتك بهذه الجثة ، التى وقفت أمام قبرها تقرأ الفاتحة منذ سويعات قليلة .
السكتات أهم من أى شىء ، تماما كالأمن القومى ، خط أحمر لا يمكن تجاوزه ، و إلا وقعت الدول فى فخوخ الأعداء . فما أن تتجاوز السكتة ، و تنتهى من لذتها و متعتها . تلحق بك مصائب الأفكار ، و أولى التساؤلات . و لست من ذلك فى شىء يذكر ، إلا إنك قد عدت إلى الحياة من جديد . و مازالت نظرات عمال المصنع تلاحقك ، و ترى أنت ما تحققه الالآت من تقدم . تقف وحدك عاجزا عن التفسير ، و تحاول أن تهمل ما وصلوا إليه من إنتاج . تتفاخر بمحاولاتك الفاشلة للإجابة عن أسئلة بلهاء لم تعطلهم هم فى إنتاجهم ، بينما أقعدتك أنت عن الحركة . يالك من فاشل كبير ، لا يحفظ أمنه القومى . أذكروا محاسن موتاكم ، هذا ما يقال عقب السكتة الكبرى .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق