الجمعة، 19 يونيو 2009

سكتات

آرنو لسكتة سريعة يمكنها أن توقف سيل الأسئلة المتناثرة المتلاحقة فى ذهنى الشارد . يملؤنى شجن يسبح فى بحور من الالآم ، ينتقل بى من وجع إلى وجع . على قدر حبى لنفسى ، و اعتزازى بأفكارى ، و إيمانى بقيمى .. إلا أنى بت أكرهها ؛ نفسى و قيمى و أفكارى جميعا . و لست أدرى لذلك سببا مقنعا ، و لم أشغل نفسى بشىء عدا التساؤل و الكراهية . ربما لم أحقق شىء من أحلامى الكبرى . لا يزال صوتى حبيس أحبالى . و لا تزال كلماتى حبيسة أوراقى . الأوراق فى الأدراج ، و مازالت هى الأخرى حبيسة العلن . و كأنها لا تعدو أن تكون إلا مجموعة أسرار تافهة لعاهرة من عاهرات الليل ، لن تزيد أهميتها بأى حال عن أهمية ملابسها الداخلية . تمنيت أن يصف لى طبيبى ذات يوم دواء ، بل أقراص تسمى سكتات . و كلما اشتد علىَ التساؤل و لحقته الكراهية ، أثب وثبة واثقة فاتحا علبة الأقراص ، و أبدأ فى ازدرادها . يا لها من لحظة سعادة نادرة !

تبدأ التساؤلات فى الخمود ، و تنطفىء نار الكراهية بغتة . لا قلق بعد اللحظة . لن يرانى أحد شارد الذهن ، و لن أرهق ذهنى بالبحث عن اجابات . فقد خدرت السكتة تلك الشحنات العصبية المتزايدة ، و ألقت بى على الفراش أشبه بجثة هامدة . و لن يستطيع مخلوق أن يوقظنى .

أتركونى لسكتتى ، كم هى رائعة الولوج !

و كأنها عشيقتى التى تمكنت منى على الفراش بحيث امتلكت هى المبادرة . و لم تترك لى إلا رد الفعل الممزوج بآهات مكتومة .

المؤسف أن السكتة الطبية لم توصف لى ، و لم أذهب إلى طبيب ، و لا أخذت قرصا ، و لا سقطت سهوا . و قد عادت التساؤلات تلح على ذهنى من جديد ، و باتت مناعتى أمامها ضعيفة . بقيت أسيرا للحظة . لكل لحظة بلا أمل فى النجاة ، بلا طاقة للصراخ . لماذا لا يتحول دعاء الأمهات على أطفالهن بالسكوت إلى حقيقة ؟ ألم تتضايق أمى من ثرثرتى غير مرة ؟ ألم تطلب من الله أن يكتم هذا الصوت الذى لا يتوقف عن العطس الكلامى ؟

لو أن السكتة عبرة لذرفتها غير آبه بما سيحدث . و ما لى والناس الذين يشيرون إلى مُسقط الدمع الذى انهار أمام الجميع و لم يعد له سند . يخيل إلى أن الدمع كالسكوت ، فى كليهما راحة . عن ماذا أبحث الدمع أم الراحة ؟ و ماذا عن السكتة ؟

تمنيت أن أصبح آلة ، قوامها الأجزاء اللازمة للعمل ، و حياتها العمل . يا للذة الحياة حينها . . يزداد عمل الآلة ، فتزداد الإنتاجية ، و تكون المكافأة بمنحها مزيدا من العناية و الرعاية . تسترق الآلة السمع إلى عمال المصنع و هم ينعتونها بـ " وش السعد " . لقد حصلت على تقدير لا يخلو من بعد إنسانى .. إلا أنها بقيت آلة تعمل و تعمل و تعمل . ويحك ، لست أفضل حالا منها . بل هى أفضل منك . العمال ينظرون إليك و أنت جالس وحيد شارد الذهن لا تعمل ، و لا تنتج . إنك هنا فقط تتحول إلى أضحوكة ، و تتعالى من حولك صيحات الاستهجان ، و تبدو كغريبى الأطوار ، الذين يزعجهم تفحص الناس لهم .

لو كنت ملكا ، يأمر فيطاع ، لبنيت قصرا من السكتات . سكتات لها من التنويعات ما للغرف ، و لها من الألوان الزاهية ما للأثاث من بهجة و أبهة و فخامة . . . سكتة النوم ، سكتة المعيشة ، سكتة المطبخ ، سكتة الحمام . إذا ما دلفت إلى سكتة النوم ، أغط فى نوم عميق لا تنغصه علىَ التساؤلات ، و لا تلاحقنى قبله الكراهية . نوم يخلو من الكوابيس النصف مرعبة التى استرجع فيها لقطات و لقطات . و تتحول التساؤلات إلى مشاهد تبقى غير ممكنة الفهم لمشاهد عادى مثلى ، بل و لنقاد السينما أيضا .

سكتة الحمام غريبة .. لا تفكير فى أعضاء جسدى العارى أمامى ، و لا وظائفها التى سخرت بهذا الشكل لأدائها . لم يستهونى ميل لممارسة العادة السرية . فقد سكتت الشهوة .. أو بمعنى أدق تعبيرا ، فقد سكتت شهوة البحث فى وظائف الأعضاء ، لا شهوة الأعضاء فى أن تمارس شيئا كانت له من الفاعلين .

سكتة المطبخ محزنة .. أوانى ممتلئة بالأطعمة ، و مزاج لا يسمح بتناول الطعام . إنها لحظة كأيام الموت الأولى ، عندما يبقى فؤداك متعلقا بالفقيد ، صفاته ، و ذكرياته . ثم لا تدركك هذه الشهوة اللعابية اللعينة . و أنت فى أعماقك البعيدة تتمنى أن تستمر فى الصوم ، مستحضرا معانيه الروحية على غير تفسير . و تقودك رغبة جامحة أن تلحق جثتك بهذه الجثة ، التى وقفت أمام قبرها تقرأ الفاتحة منذ سويعات قليلة .

السكتات أهم من أى شىء ، تماما كالأمن القومى ، خط أحمر لا يمكن تجاوزه ، و إلا وقعت الدول فى فخوخ الأعداء . فما أن تتجاوز السكتة ، و تنتهى من لذتها و متعتها . تلحق بك مصائب الأفكار ، و أولى التساؤلات . و لست من ذلك فى شىء يذكر ، إلا إنك قد عدت إلى الحياة من جديد . و مازالت نظرات عمال المصنع تلاحقك ، و ترى أنت ما تحققه الالآت من تقدم . تقف وحدك عاجزا عن التفسير ، و تحاول أن تهمل ما وصلوا إليه من إنتاج . تتفاخر بمحاولاتك الفاشلة للإجابة عن أسئلة بلهاء لم تعطلهم هم فى إنتاجهم ، بينما أقعدتك أنت عن الحركة . يالك من فاشل كبير ، لا يحفظ أمنه القومى . أذكروا محاسن موتاكم ، هذا ما يقال عقب السكتة الكبرى .

الأربعاء، 10 يونيو 2009

تحياتى لمجتمعنا المتدين

قبل أتناول هذا الموضوع ، أود توضيح الآتى :

1)   أنى مصرى ، متمسك بجنسيتى و انتمائى ؛ برغم تحفظاتى على مجتمعى .

2)   ليست لدى أى حساسية إطلاقا فى التعامل مع المخالفين لى فى الفكر ، بل و مخالطتهم ، و إقامة علاقات صداقة معهم .

3)   أحترم كافة الأفكار المتشدد منها ، و المنفتح . و لدى طاقة للاستماع إلى أى أفكار مهما كان اختلافى معها .

لا أعرف من أين أبدأ ؟ و لكننى قررت أن أبدأ فى الكتابة عن موضوع لطالما أجلت الكتابة عنه ؛ لأنه موضوع ملىء بالمحرمات الاجتماعية التى لا جدال فيها . فليس لنا إلا أن نسلم بما شاع ، و انتشر ، و ارتفع صوته . سأبدأ من يوم ازدادت بعده حماستى للكتابة عن مجتمعنا المتدين . كنت فى المدينة الجامعية التابعة لجامعة عين شمس . و مسجد المدينة يقوم عليه تيار ما و شيخ ما مرضى عنهما أمنيا . أما مجتمع المدينة فيعتبر نفسه متدين لا محالة ، قائم يصلى ، و يؤدى مهامه الدراسية . فى هذا اليوم ، مررت بغرفة أحد أصدقائى ، و استفسر عن رأيى فى الرقابة على الأعمال الفنية . فقلت له : أنا أرفض الرقابة ؛ لأن العالم أصبح مفتوحا لا يُخفى فيه شيئا . كما أن الإنسان حر يشاهد ما يريد ، و هو أيضا جزء من العمل الفنى فيما يتعلق بالتلقى . لذلك عندما أشاهد عملا فنيا ، فأنا من يقرر و يفسر أفكاره ، و يميز الصواب من الخطأ . و لا يمكن للعمل الفنى أن يغير من أفكارى ، لمجرد أنه طرح فكرا مخالفا لى . أفهم أن الإنسان لديه عقل يميز به بين الخطأ و الصواب . فسألنى صديقى عن الإباحية فى السينما أو اللقطات المثيرة . فقلت له : أنت تراها إباحية ، وصانع الفيلم يراها ضرورة درامية . و هذا اختلاف فكرى قائم و مستمر . و لكن ، هل يجبرك أحد على مشاهدة هذه اللقطات ؟

 بالطبع لا يستطيع أحدهم إجبارك على ذلك ، فأنت حر . و السؤال : ألا يمكنك أن تنظر إلى الساعة ، أو إلى السقف مثلا ، طالما أن هذه المشاهد تتعارض مع قيمك ؟

ضحك صديقى . فأخبرته أنه لا داعى للضحك . . عندما كنت أشاهد فيلم " هى فوضى " ، شعرت أن مشهد الرقص فى زنزانة النساء غير ذى جدوى بالنسبة لى - و إن كان بالطبع ضرورة من وجهة نظر المخرج - . قررت حينها أن أنظر إلى أعلى ، بينما الناس ينظرون إلى الأمام . أنا حر . هكذا بدأ صديقى يقتنع . و أكملت أفكارى عن أهمية الحرية ، و عن الضمير الجمعى للمجتمع ، و الذى يحفظ قيمه و ثوابته . . أخبرت صديقى عن المجتمع التركى . تركيا دولة علمانية طبقا لدستورها ، يحكمها اسلاميون . رجب طيب أردوغان ، رئيس الوزراء التركى ، درس الشريعة الاسلامية . اسلاميو تركيا لا يرفعون شعارات اسلامية من تلك التى أعتدنا عليها فى مجتمعنا ، لا يقولون مثلا أنهم أتوا لتطبيق شرع الله ، أو إقامة الدولة المسلمة أو الحكومة المسلمة ، أو إقامة الحدود . تولى الاسلاميون حكم تركيا فأقاموا دولة عادلة ، و دعموا الحرية و المساواة . قضوا على الرشوة و الفساد . دعم الاسلاميون فكرة المجتمع المدنى بما يحمله من مؤسسات و جمعيات تهتم بالإسلام ، تعاليمه و قرآنه و شريعته . يعلم القاصى و الدانى أن حزب العدالة و التنمية له جذور اسلامية . و لكن ، يا صديقى ، طعن البعض فى اسلاميته ؛ لأن الدعارة مرخصة ، و الخمور أيضا ، و السياحة قائمة ، إلى جانب العلاقات مع اسرائيل . و هذا يعنى لدى مجتمعنا المتدين ، الذى يحمل فى طياته ما هو اسوأ من ذلك ، أن هؤلاء لا يمتون للإسلام بصلة . رغم أن مظاهرات الشارع التركى ، و غضبته ، أثناء الحرب على غزة ، فاقت ما قدمه الشارع المصرى ، الذى تقع غزة على حدوده . أنهيت حوارى مع صديقى و قلت له : المجتمع التركى به حريات ، و لكنه اسلامى ، و سيظل . ذهب صديقى إلى محاضرة المقال باللغة الانجليزية ، بعد أن صاغ أفكارنا المشتركة ، و التى اقتنع بها تماما . و لاحقا أخبرنى أن المحاضرة شهدت مناقشات عاصفة ؛ لأن جميع الطلاب و الدكتورة التى تدرس لهم المادة مع الرقابة ، و هو الوحيد ضدها .

ذات يوم طلبت إليه أن يأتينى بالمقال لأطالعه . و جاءنى به . طلب منى أن أقرأ تعقيبات الأستاذة الجامعية الموقرة ، فماذا قالت ؟

قالت أنها ذهبت لتركيا ( و أنا و كاتب المقال لم نذهب بالطبع ) و رأت المجتمع التركى ( و أنا لم أره بالطبع ) ، و هو ليس مجتمع اسلامى بتاتا ؛ لأن النساء ترتدى ملابس " فظيعة " . حدثت نفسى بأن السيدة أرادت أن تحرجنى . فأنا لم أسافر إلى تركيا ، بينما هى سافرت ، و تعتقد بالتالى أن حكمها هو الأصوب . و الذى لا تعرفه السيدة الفاضلة أن مئات الأبحاث و الدراسات و المقالات تناولت التجربة الاسلامية فى تركيا . لا تعرف السيدة الفاضلة أن مفكرين اسلاميين كبار احتفوا بالتجربة الاسلامية فى تركيا . و كتب هؤلاء عن أسباب التأييد و الاحتفاء . اكتفت السيدة بالإشارة إلى ملابس السيدات . و لا أعلم من هو الاسلامى ، مجتمع ترتدى نساؤه ملابس فضفاضة ، و لكنه غيرعادل و فاسد ؟ أم مجتمع آخر قد لا ترتدى فيه النساء حجاب أو ملابس فضفاضة ، و لكنه بلا فساد و بلا ظلم ؟؟!!

ثم باستخدام نفس المقياس " مقياس الملابس " ، الذى اختارته الأستاذة الجامعية الفاضلة ، هل تعتبر الجامعة التى تدرس فيها اسلامية . . ألا ترتدى غالبية الفتيات ملابس ضيقة ؟ ألا ترتدى الفتيات فى الصيف ملابس بلا أكمام مثلا ؟

يا سيدتى لو كان معيارك " الزى " ، فعفوا مجتمعنا لا يعتبر اسلاميا بهذا المعنى . ثم قالت السيدة : التليفزيون يدخل كل بيت ، و يقتحمه . و لا أفهم كيف يقتحمه ؟ هل من الممكن أن تفتح التليفزيون لمشاهدة برنامج " قصص القرآن " لعمرو خالد ، فتجد أن التليفزيون يخرج لك لسانه و يعرض أمامك فيلم " فريدا " لسلمى حايك ؟ ثم عندما تهرب من أمامه ، يواصل اقتحامه لمنزلك و يلاحقك فى غرفة النوم ، و المطبخ ، و الحمام . أى حجة هذه !!

ثم أكملت السيدة الفاضلة : كيف نعرض أفلام إباحية للأطفال و المراهقين ؟

و بفرض أنها كذلك ، أو أن صانعى السينما فى مصر قد ينتجون أفلام إباحية . فدار العرض تصنف الأفلام مراعاة للمراهقين و الأطفال . و عندنا فى مصر أفلام تُرفع عليها لافتة " للكبار فقط " . أما ما يعرض فى الفضائيات فهو يتعلق بمدى التزام الأبوين برعاية أطفالهما ، يتعلق بالأسرة المستقرة التى يفهم ربها مسئولياته . ثم أنهت الملاحظات بسؤال لكاتب المقال و من معه : هل يمكن أن تشاهد فيلم " بورنو " مع أمك أو أختك أو زوجتك أو خالتك ؟

و لا أعلم ما موقع السؤال السابق من الإعراب . فأنا و كاتب المقال لا نشاهد أفلام بورنو . و أمى لا تشاهد إلا المسلسلات . و أظن أن أمى ، لو قلت أمامها كلمة " فيلم بورنو " فلن تفهم شيئا . و لكننى أشاهد ، على سبيل المثال ، فيلم الكرنك مع أسرتى .  ثم تفاجأت ، بعد انتهائى من قراءة التعقيبات ، أن هناك آيات قرآنية مكتوبة باللغة العربية . فالأصل أن تكتب السيدة بالانجليزية ، مراعاة للغاية التعليمية . و لكنها على ما يبدو أرادت أن تنتصر للغاية الوعظية . و هنا يجب أن أنوه بأننى مؤمن بالله ، و رسوله ، و بكتابه القرآن الكريم . أما الآيات التى كتبتها السيدة ، فهى آيات تحض على الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر ، و تذكر الآية الأخرى بعقاب الذين ينشرون الفاحشة . و لا أعرف ما علاقتى بنشر الفاحشة ؛ فأنا أدافع فقط عن الحرية . . أنا لا أشرب الخمر ، و لا أضاجع الناس بغير زواج ، و لا أسرق أو أختلس ، و لا أخرج أفلام بورنو ، و لا أبيع المخدرات أو أتعاطها . لست إلا صاحب رأى : العالم أصبح قرية صغيرة و يجب أن نعلى من قيمة ضمير الإنسان ، و نحترم عقله ، فلا نصادر عليه ، و لا نراقبه . كل ما أراه أن مخرج السينما ، إنسان له وجهة نظر ، رأى أن يستخدم وسائل ما للتعبير عنها . و من الممكن أن تخالف هذه الوسائل التعبيرية أحكام و أعراف المجتمع ، أو تخالف أحكام الدين . هذا وارد جدا . و لكننا هنا نختلف مع القبلة ، أو الجسد الذى يتعرى جزء منه ، أو اللفظ الذى لا نحبذه . نختلف و نقول هذا . . نقول أن هذا الفعل حرام شرعا . و لكن من يملك مثلا أن يختلف مع أفكار تدعو للعدالة الاجتماعية ؟ ؟

متى كان أبطال الأفلام يشربون الخمر ( كتمثيل ) ، ثم يخرج علينا صانعو الفليم و يخبروننا أن الخمر حلال شراعا ؟

لم يحدث هذا ، و لن يحدث . و أزعم أن السينما المصرية لم تطعن ثوابت المجتمع يوما ، و لم تقدم رسائل كلية تختلف عن جوهر الإسلام . تحياتى للسيدة الفاضلة ، الأستاذة الجامعية ، و تحياتى لمجتمعنا المتدين .  

و لكن ، كيف أفهم الإسلام ؟

أفهم أن الإسلام إيمان بالله ، و بما جاء به رسوله محمد (ص) . ثم سعى و اجتهاد لإعمار الأرض وفقا لما نص عليه الإسلام من قيم و مبادىء . و يضمن ذلك رغبة فى نيل الثواب فى الآخرة بدخول الجنة . أفهم أن تراث الإسلام :

1)   نصوص سماوية مقدسة : و هى القرآن و السنة النبوية الصحيحة ، نؤمن و نسلم بها ، و نجتهد فى تفسير ما يحتاج إلى تفسير منها .

2)   الفقه الاسلامى : و هو آراء و اجتهادات الفقهاء قديما و حديثا . و الفقه هنا ليس بوحى سماوى ، بل هو اجتهادات تصيب و تخطىء . يقول د. محمد سليم العوا : " و جمود العلماء على نقل آراء أصحاب الكتب المذهبية دون نظر فى صحة الآراء أو خطئها ، و دون بحث فى مدى قوة الدليل الذى يستند إليه كل قول أو ضعفه ، و اكتفاؤهم بالإحالة إلى أقوال مؤلفى هذه الكتب و كأنها الوحى المعصوم . كل ذلك غير جائز " .

3)   تاريخ المسلمين : و هو اجتهاد و تفاعل المسلمين فى كل عصر وفق ما فهموه من الإسلام و ترجموه فى حياتهم و حضارتهم . و التاريخ هنا له إيجابياته و سلبياته .

أفهم أن الاهتمام بالنص و رفض العقل ، أمر غير مقبول دينيا . و يطلق الشيخ القرضاوى على هؤلاء الرافضين للعقل اسم " الظاهرية الجدد " . و هم يجنحون إلى التشدد و التعسير ، و يعتدون برأيهم إلى حد الغرور ، و ينكرون بشدة على المخالفين ، و يجرحون مخالفيهم فى الرأى إلى حد التكفير ، و لا بيالون بإثارة الفتن الدينية و المذهبية . أما النظرة الصحيحة فتكون من خلال ربط النصوص الجزئية بالمقاصد الكلية ، فتفهم الجزئيات فى ضوء الكليات ، و هذه هى المدرسة الوسطية ، كما أسماها القرضاوى . أفهم أيضا أن الاسلام يرفض الرقابة على الضمير و المعتقدات ، فذلك إهدار لحرية الإنسان ، و تعدى على إرادة الله . أفهم أيضا أن الشريعة ليست مجرد نصوص تتلى ، فلا تعرف ما علاقة النص بموضوع النقاش ، أو بالأحرى لا تعرف كيف صبغ أحدهم رأيه الشخصى بكلام إلهى مقدس . هكذا أفهم الاسلام ، فكيف يفهمه مجتمعنا المتدين ؟

-         عندما تخلى صديقى كاتب المقال عن تأييده للحرية و رفضه للرقابة . بدأت مناقشة واسعة بين عدد من الطلاب . و أخذت أوضح لهم أننا لسنا بهذه الصورة التى نعتقدها عن أنفسنا . فرد علىً أحدهم بأننا نناقش المجتمع من حيث مظاهر التدين ، و مجتمعنا محترم جدا من هذه الناحية . و قال لى : أنا معك لم تكن ردود أفعالنا أثناء الحرب على غزة فى قوة ردود أفعال الشارع التركى . و لكننا أكثر تدينا منهم بلا شك . هكذا يفهم مجتمعنا المتدين الاسلام !!

-         عندما سألت أصدقائى فى نفس جلسة النقاش : كيف تؤدون الصلوات فى المسجد من ناحية ، بينما تلقون قشر الموز ، مثلا ، فى الطرقات بعد تناول وجبة الغداء من ناحية أخرى ؟ و هل هذا سلوك اسلامى ؟

و سكتوا جميعا إلا واحدا ، قال لى : أتريد أن تقنعنا أنك لا تلقى قشر الموز و البرتقال فى طرقات المدينة الجامعية مثلنا ؟ و قلت له أنى لا أفعل ذلك . و رد بأننى كاذب . و هكذا يفهم مجتمعنا المتدين الاسلام !!

- عندما كنت أناقش بعض الأصدقاء فى تحريم فوائد البنوك ، و أخبرتهم أن هناك من الفقهاء من يرى أن الفوائد ليست ربا أصلا . فأخبرنى أحدهم أن الشيخ أحمد التركى ، إمام مسجد النور بالعباسية ، ذهب إلى أن الفوائد بها شبهة . و قلت له أنى حضرت الخطبة ، و الرجل قال أن بها شبهة و ليست حرام . و كانت المفاجأة ، قال لى صديقى : بها شبهة تعنى أنها حرام ، و الشيخ لم يقل ذلك صراحة خوفا من إغضاب الحكومة . و سألته بفرض أن الرجل يخشى الحكومة ، فهل يصح ذلك فيما يتعلق بأمور الاسلام ؟ و ذهب صديقى إلى أن ذلك يصح ؛ لأن الرجل يحافظ على منصبه . هكذا يفهم مجتمعنا المتدين الاسلام !!

- عندما كنت أتحدث مع صديق ، أثناء الحرب الاسرائيلية على غزة ، و أبديت غضبى من موقف البلاد و المجتمعات العربية ، و موقف المجتمع المصرى . أتفق معى صديقى ، و رأى أن هذا لا يجوز و لا يصح أبدا . و يبدو أنى أطلت عليه بعض الشىء . فقال لى : دعك من هذا الموضوع ، و أتركنا نعيش فى أمان ، فكلامك هذا قد يذهب بنا إلى ما وراء الشمس . ثم أخذ يضحك . و هكذا يفهم مجتمعنا المتدين الاسلام !!

- لنا جار معروف عنه الالتزام باداء الصلاة فى المسجد ، و الرجل محل تقدير من جميع الجيران . و عندما قرر أن يزوج ابنته ، لم يجد غضاضة أن يدخن المدعون الحشيش ، و هو يجلس على بعد أمتار منهم . و بالطبع أدى الرجل صلاة الفجر فى المسجد . هكذا يفهم مجتمعنا المتدين الاسلام !!

- أحد أصحاب الأعمال من ذوى اللحى الطويلة جدا ، و المؤدى بالطبع الصلاة فى المسجد ، كان يسعر بضاعة سوف يعرضها . و أشار عليه أحد العاملين أن يعرض القطعة بسعر 15 جنيها ، و هذا يحقق له ربح مناسب جدا . فقال له الرجل : أكتب عليها 20 جنيها . فسألت صديق متدين ( طبقا لوصف الناس ) عن ذلك التصرف ، فالسعر مبالغ فيه ، و هذا يعبر عن انتهازية و جشع . فرد على ً صديقى بأن التجارة شطارة ، فالبائع لا يجبر أحدا على الشراء ، و الربح فى التجارة حلال شرعا . و هكذا يفهم مجتمعنا المتدين الاسلام !!

- ذات يوم نصحنى صديق بإعادة القراءة فى الدين ؛ لأن لى أفكار علمانية . و أخبرته أنى اسلامى الفكر و التوجه ، فأعاد طلبه مرة أخرى . و تمنى لى أن يهدينى الله و يبعد عنى هذه الأفكار . فصديقى يرى أن أستاذة له فى القسم ممتازة علميا و سلوكيا ، و لكنها للأسف لا ترتدى الحجاب . فسألته : هل تولى هذه السيدة منصبا قياديا فى مجالها ، إن كان الأمر بيدك ؟

و أجاب بالنفى ؛ لأنها لا ترتدى الحجاب . و لا يجوز أن تكون امرأة غير محجبة مسئولة فى دولة اسلامية . أخبرته أن ذلك مخالف لمبدأ و مقصد اسلامى و هو العدالة ، التى تنظر للكفاءة ، لا لملابس الإنسان . فكان طلبه بإعادتى القراءة فى الدين . هكذا يفهم مجتمعنا المتدين الاسلام !!

- و فى يوم آخر قابلت صديقى هذا صدفة ، و كان فى طريقه لحضور حفل غنائى فى الجامعة . و الغناء عند صديقى حرام ، و من ناحية أخرى الحفل مختلط ، و هذا عنده حرام أيضا . إلى جانب المعلوم للجميع من تحرشات جنسية تحدث أثناء هذه الحفلات مرفوضة دينيا و إنسانيا . و لكن صديقى ذهب للحفل ، و لم يدَكر نفسه باعتقاداته حول الحرام و الحلال ، و لم ينصح نفسه بإعادة القراءة فى الدين . و هكذا يفهم مجتمعنا المتدين الاسلام !!

- لى صديق مؤيد للفكر السلفى . و ذات مرة أخبرنى أنه عندما يصلى مع السلفيين يشعر بالراحة . فقلت له : أنت تصلى لله ، و تدعوه ، فيستجب لك ، و ينزل سكينته عليك ، و تحفك الملائكة و أنت تصلى . فما علاقة من تصلى معهم برحمة الله . هكذا يفهم مجتمعنا المتدين الاسلام !!

- لى صديقة أخبرتنى ذات مرة أن الصداقة بين المرأة و الرجل لا تجوز شرعا ، و تؤدى إلى الرذيلة . فأبديت اندهاشى و سألتها عن صداقتنا . و أجابت بأن لها الكثير من الأصدقاء رجال ، و لكنها تعلم جيدا أن هذا حرام شرعا . و هكذا يفهم مجتمعنا المتدين الاسلام .

هؤلاء بعض أصدقائى ، و أفراد يعيشون فى مجتمعى المتدين . . هؤلاء بعض النماذج للفهم بلا منطق ، و ازدواجية الشخصية ، و افتقاد الخريطة الادراكية . هؤلاء يخلطون بين الذات التى يتحكمون فيها ، و بين الآخر الذى لا يملكون عليه سلطة . نحن مجتمع ذو ظواهر مميتة : الاستبداد السياسى ، اللامبالاة الجماعية ، البطالة ، سوء الأحوال المعيشية ، الاحتكار الاقتصادى ، الجهل ، أطفال الشوارع ، انعدام الضمير ، نهب المال العام ، انتشار المخدرات . نحن مجتمع متعايش مع كل ما هو سلبى ، و ظالم ، و غير إنسانى . و لكننا دائما نفتخر بالتدين . و لا أفهم معنى للتدين اللفظى و الشكلى و الشعاراتى . من الصعب يا أصدقائى أن نقيم مجتمعا متقدما بمجموعة من الملابس الفضفاضة ، و أغطية الرأس . من الصعب أن نقيم مجتمعا متقدما بمجموعة من الشعارات البراقة ، التى تنطقها الألسن ، و تقتلها بالفعل القلوب . نحن مجتمع يعمل فيه الرجال من أجل تأمين مستقبل الأولاد ، و فى سبيل ذلك قد لا يلتقون بهم إلا نادرا . نحن مجتمع مهتم بغذاء البطون ، و لكنه يترك العقل و الروح للجوع . استحالة أن يكون هذا المجتمع متبع للسلف الصالح . استحالة أن تكون كل هذه الظواهر السلبية قد تواجدت فى عصر الراشدين . نحن مجتمع يؤمن أننا لا نستطيع مواجهة أمريكا و اسرائيل . بينما مجتمع الصحابة فى غزوة الأحزاب قاوم و انتصر ؛ لأنه مجتمع يؤمن حقا بالله ، و يعمل لطاعته . قام مجتمع الصحابة على مبدأ الشورى ، بينما يقوم مجتمعنا على تزوير انتخابات الشورى ة الشعب و المحليات . . يقوم على مبدأ الحاكم الفرد . مجتمع يتصدى شيوخه لتكفير الشيعة و التجريح فى النصارى . و لكنهم لا يملكون أن يدينوا نظم فاسدة مستبدة تتحالف علنا مع الدولة الصهيونية ضد المسلمين . نحن مجتمع الفضيلة الواهم . . مجتمع فاضل ، و داعر فى نفس الوقت . إذا كان هذا هو تدينكم أيها المصريون . . آسف ، فلست متدين مثلكم . و تحياتى لمجتمعنا المتدين !!