" الفكرة شىء إنسانى عجيب ، فهى دائما تتطلب عملا و جهدا و أحيانا تخطر للإنسان فكرة فيظل يستضعفها و يهملها و هو كاره ما وراءها من عمل حتى يقتلها ، و أحيانا تخطر له فكرة فيها جدة و فيها روعة و لذة فتقلب هدوءه رأسا على عقب ، و تنفخ فيه أطنانا من النشاط " - اقتباسا من الأديب الرائع يوسف إدريس - ، و هذا هو عمرو خالد ، مفكر نشيط . و إذا سألتنى من هو عمرو خالد ؟
أقول لك : هو رجل مؤمن بالله ، يستلهم كل ما جاء به الإسلام و جميع ما قدمه المسلمون من نماذج حضارية ناجحة ، و يخاطب الشباب بلغة يفهمونها محاولا بذلك أن يحافظ على أهم و أصدق و أخلص ما تمتلكه أمتنا العربية الاسلامية ، و هم شبابها و قدراتهم و حماسهم للإصلاح و التغيير و التنمية . رجل قدم جهودا فى تجديد الخطاب الدينى ، و محاولات جادة لدفع التنمية باستخدام الإيمان ، و سعى لمكافحة الإدمان . و فى كل خطواته ، بدأ بفكرة ، ثم واصل نشرها ، و أشرك فيها ما استطاع أن يشرك من هيئات و مؤسسات و أفراد شبابا كانوا أم شخصيات عامة . إنه رجل ظاهرة لا يمكن أن نضعه فى خانة المشايخ و لا المفكرين أصحاب القلم و لا الدعاة الجدد الذين وزعت أدوارهم بين الفضائيات و اقتصرت دعوتهم على الأفراد دون إشارة للمجتمع . بمعنى أن عمرو خالد يشغل مساحة عمرو خالد ، لا يمكن مقارنته بالقرضاوى و لا العوا و لا هويدى ، ليس حسين يعقوب و لا محمد حسان و لا مهدى عاكف ، و لا معز مسعود و لا مصطفى حسنى . لا يعنى هذا أنه أفضل من هؤلاء ، و لكنه يعنى أنه صاحب مشروع أكثر حيوية و نشاطا على الأرض و بين الشباب من كل هذه الأفكار و القامات و الفلسفات . رجل ذهب إلى الكاتدرائية بالعباسية ، و حضر قداس عيد الميلاد . فالتف حوله الشباب و التقطوا معه الصور التذكارية . ثم أمتعنا بحوار رائع أثرى و عمق و أكد على وحدة هذا الشعب . و تسأل فى أى خانة نضعه ؟
وصفه شيخ سلفى ذات مرة بأنه " نجم شباك " و تسبقه شهرة واسعة كلاعبى الكرة و الفنانين ، و لكنه فى الواقع يخرب عقول الشباب ، و لا يعرف العلم الشرعى . و قد أجمع مشايخ التيار السلفى على نبذ عمرو خالد . و ما لبث أن نبذه الوسطيون . لماذا ؟
لأن الشيخ القرضاوى رأى أنه لا حوار مع الغرب بعد الرسومات المسيئة للرسول . و كأن رأى الشيخ القرضاوى ملزم للجميع . و عندما أبدى عمرو خالد أسبابه التى دفعته دفعا للذهاب إلى الدانمارك ، ظل الجميع يكرر أنه خالف القرضاوى دون أن يتركوا عقولهم تناقش ما قدمه عمرو من أفكار و آراء . و اتسعت ساحة المخالفة ، و فى لقاء تليفزيونى كرر الفنان عادل إمام اسطوانة مخالفة عمرو خالد للقرضاوى ، و هذا بالطبع لأن عادل إمام قرأ كتب القرضاوى و حضر دروسه و صلى خلفه و لم يخالف بعضا مما يعتقده القرضاوى . و ظلت فكرة أن فلانا خالف فلان تسيطر على البعض . فكتب الأستاذ حمدى رزق ممتدحا حملة قادها الدكتور سليم العوا لمقاطعة البضائع الهولندية . و فى نهاية مقاله أشار إلى أن مواجهة الإساءات من الغرب يجب أن تكون مواجهة اقتصادية كما فعل العوا ، و ليست الدعوة للحوار كما يفعل آخرون . والسؤال : لماذا لا تكون ساحة " الفكر الاسلامى " تسع الجميع ؟
لماذا هى حكر على السلفيين عند جمهورهم ، لهم مساجدهم و دعاتهم و شرائطهم و ملابسهم . و عند الإخوان حكر على الإخوان ، بذقونهم المحلوقة ، و آرائهم السياسية العجيبة و رموزهم و مرشدهم و مكتب إرشادهم . و عند الوسطيين حكر على الوسطيين ، بشيخهم المجدد ، و مفكريهم المستقلين و آرائهم المستنيرة . و لا عجب فى أن يكون عمرو خالد منبوذ من هؤلاء جميعا ، و إن تفاوتت حدة النبذ . لا عجب أن منتسبى العلمانية يسلخون الرجل فى جرائدهم ، من اليسار إلى اليمين ، و الكل فى ذلك سواء . الرجل قدرته فائقة ، جاذبيته لا تقاوم ، مصداقيته لا يمكن التشكيك فيها . و قبل ذلك كله ، أدرك عمرو خالد مفهوم الإيمان و طبقه ، حيث أن الجميع يؤمنون بالله . و هذا يكفى لكى نعمل معا من أجل إعمار الأرض . فلم يهاجم مخالفا له . أحترم الجميع بمن فيهم الذين سبوه جنبا إلى جنب مع الذين قدروه و أطروا عليه . و استطاع أن يبقى متسامحا ، متعايشا ، مستمرا فى مشروعه الذى ينمو سريعا . دعوته عالمية ليست لها حدود . و أتباعه يعلمون إخلاصه ، و يخلصون للرسالة ، التى أكد عمرو مرارا و تكرارا أنها رسالة ( محمد ) . و رغم ذلك لم ينتبه الكارهون ، وظلوا يتحدثون عن عمرو . فلتذهب أحقادهم على الرجل إلى الجحيم .
أما علاقة عمرو خالد بالنظام ، فلها من التعقيدات الكثير و المثير . الرجل فى بداياته لم يظهر ما يستوجب التضييق عليه ، يلقى دروسا فى مسجد بمدينة 6 أكتوبر . يحضر دروسه أعداد كبيرة . ذلك معتاد فى مساجد أخرى ، و مع مشايخ و دعاة آخرين . يقول عمرو خالد أن النظام الأمنى ساوره قلق إلى أين يأخذ هذا الرجل الشباب ؟ و أنه لم تكن أفكاره واضحة بمثل ما كان عليه الحال عندما عاد إلى مصر و بدأ يتحرك فيها بحرية . و يبدو أن عمرو خالد مارس شيئا من الدبلوماسية . فمشكلة النظام ليست كونه إرهابى أم معتدل ؟ و لا هو سلفى أم وسطى ؟
إنما المشكلة أنه يفك شفرات الشباب بسهولة ، و يصل إليهم بسرعة ، و يؤثر فيهم بأفكاره . كل ذلك لا يقبله الجهاز الأمنى ؛ لأن فى ذلك خطر على ما أرادوه للمجتمع . أرادوه بلا رموز ، و أرادوا للشباب أن يظلوا بلا قضية . اللهم إذا كانت قضيتهم تشجيع المنتخب الوطنى !!
لماذا سمح له النظام بالعودة ؟ لماذا أعطاه النظام الحرية فى حملته " حماية " ؟
ربما لأن الرجل كان مؤدبا إلى أقصى الحدود . لم يصرح طيلة وجوده خارج مصر بأى تصريحات تدين الأمن و طريقة تعامله معه . لم يذكر شيئا عن منعه من أداء رسالته ، و التواصل مع الناس . بالإضافة إلى نجاحه و هو خارج مصر فى مواصلة الدعوة و خوض التجارب و المشروعات . و قاد الشباب عبر النت و التليفزيون و الكاسيت . لم يمتلك مساجد ، و لا خصصت له مكتبات الدعوة و الدعاة . و مع ذلك نجح و أثر و ظهر تأثير واضحا جليا . فربما رأى الأمن أنه لا مانع .
ثم . . ثم ، إذ ، ربما يكون لنجاحه فى حملة " حماية " ، و زيارته للكاتدرائية جنبا إلى جنب مع جمال مبارك ، و كتاباته للمصرى اليوم ، و حلقات برنامجه فى الدستور ، و مؤتمرات يحضرها فى أنحاء العالم . إذ ، ربما قد شعر الأمن بقلق ، و أحس فى معدته بمغص . فالرجل ما تحدث فى شىء إلا و أثار الانتباه . لم يدخل فى مشكلة مع أحد ، لا سب شيخا ، و لا عادى قسا . و ما زالت شعبيته فى ازدياد ، و تأثيره حاضر بقوة . فقرر الأمن أن " يكنسل " عمرو خالد مرة أخرى . لا للحملات . . واضحة صريحة . و خاصة عندما تكون حملته الجديدة عن الفقر و التعليم . فالمستهدف هذه الطبقة الفقيرة المعدمة ، و وسيلة الاستهداف الشباب . ربما هذا أمر عادى بالنسبة لنا . و لكنه فى التقارير الأمنية يحمل ملامح ثورية " حبتين " . رغم مايكرره الرجل كثير بأن ما يفعله بغرض مساعدة الحكومات التى عينها الحكام . و أنه يسعى لمساندة نهضة و تنمية المجتمع دون خروج عن النظام السياسى . و لكن . . لا يمكن أن يتركوه يكبر بهذا الشكل . يجب أن يقطعوه من الجذور ، و جذوره هم الشباب . فليبعدوه عنهم .
أتوقع ألا يرد عمرو خالد . فقد اعتاد الرجل أن يصمت إزاء ما يتعرض له من تضييق و تصرفات سيئة . سيظل الرجل صامتا ، و لكنه صامدا و عاملا فى ذات الوقت . مشروعاته فى أقطار أخرى كاليمن و السودان و الجزائر . و مازالت برامجه تبث عبر الانترنت . و السؤال : هل كنت ستصمت لو كنت مكان عمرو خالد ؟
و الإجابة بالنفى . و لكننى لست مكانه . و لا يمكننى أن أدعى أنه مخطىء أو يسىء تقدير الأمور . و الخلاصة : عمرو خالد قطار لا يمكن لأحد أن يوقفه ؛ لأنه لا يسير على قضبان حديدية فقط . بل يسير على الزلط و الرمل و التراب و الطين . و كلما أبعدوه عن تربة ما ، سار على الأخرى ، و زاد من سرعته . ليت منتسبى الفكر أو حارسى أمن " مصر مبارك " يدركون ذلك !!!
الثلاثاء، 27 يناير 2009
الاشتراك في:
التعليقات (Atom)
